خطأ "الإخوان المسلمون" القاتل: سوء التقدير الذي قسم المجموعة إلى اثنتين

تم نشره في الاثنين 11 أيلول / سبتمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • صورة ممزق للرئيس المصري محمد مرسي على جرافة للأمن في موقع هجوم "رابعة" - (أرشيفية)

إيريك تراجر – (فورين أفيرز)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة


في 14 آب (أغسطس) 2013، وفي ما أصبح يعرف باسم "مذبحة رابعة"، اقتحمت قوات الأمن المصرية الاعتصامات التي تقودها جماعة الإخوان المسلمين في الساحات العامة بالقاهرة والجيزة، وأسفرت الاقتحامات عن مقتل مئات الأشخاص الذين احتجوا على الإطاحة بمحمد مرسي، قائد جماعة الإخوان وأول رئيس منتخب في مصر. وقد تسببت حصيلة القتلى، التي وضعتها منظمة "هيومن رايتس ووتش" في وقت لاحق عند أكثر من 800 مدني، بصدمة للمجتمع الدولي، ولكن ذلك السفك للدماء لم يفاجئ الإخوان.
في حقيقة الأمر، أدرك قادة جماعة الإخوان منذ لحظة الإطاحة بمرسي في 3 تموز (يوليو) أنهم في صراع قاتل أو مقتول مع الحكومة الجديدة المدعومة من الجيش. وبعد خمسة أيام فقط من الانقلاب، فتحت قوات الأمن النار على تجمع لمؤيدي مرسي، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 51 شخصاً وإصابة مئات آخرين. لكن قادة جماعة الإخوان كانوا يعتقدون أن تنظيمهم المشهور بتراتبه الهرمي، والذي يتضمن شعاره عبارة "الموت في سبيل الله أسمى أمانينا"، يمتلك القوة البشرية للنجاة وتجاوز أي هجوم. وقال المتحدث باسم الإخوان، جهاد الحداد، للصحفي ماجد عاطف قبل أسبوعين من المجزرة: "إذا كانوا يريدون تفريق اعتصام القاهرة، فسيتعين عليهم قتل 100 ألف متظاهر". وأضاف "إنهم لا يستطيعون فعل ذلك لأننا مستعدون لتقديم مائة ألف شهيد".
من بين العديد من الأخطاء الاستراتيجية السيئة التي ارتكبها الإخوان المسلمون خلال "الربيع العربي" القصير في مصر، كان اعتقاد الجماعة بأنها يمكن أن تتغلب بالتعبئة والتحشيد على قمع النظام، هو الأكثر تكلفة. وقد أدت مذبحة رابعة واعتقال قادة الإخوان الذي أعقب ذلك إلى قطع رأس المجموعة على الصعيد الوطني، وكذلك في داخل المحافظات المصرية، مما أفقدها فعاليتها على الأرض. وفي غضون أشهر، أصبحت منظمة كانت قد فازت بسلسلة من الانتخابات والاستفتاءات خلال السنتين ونصف السنة الماضية، مرئية بالكاد في معظم أنحاء البلد. وبعد أربع سنوات من ذلك، أصبحت جماعة الإخوان منظمة منقسمة إلى حد كبير، وتقع عملية صنع القرار التي مارسها قادتها في مرحلة ما قبل المجزرة في قلب هذا الصدع.
ظهر الانقسام داخل جماعة الإخوان بعد المجزرة مباشرة. وانتقدت الكوادر الأصغر سناً كبار القادة على سوء تحليل الوضع السياسي المؤدي إلى الإطاحة بنظام مرسي، وسوء إدارة الصراع اللاحق على السلطة. وعلى الرغم من أن جماعة الإخوان استخدمت العنف ضد خصومها مرات عدة خلال رئاسة مرسي، إلا أن قادتها دعوا إلى اللاعنف بعد الإطاحة بمرسي؛ حيث أعلن المرشد الأعلى محمد بديع بوضوح: "إن سلميتنا أقوى من الرصاص". وكانت تلك، من وجهة نظر الإخوان الأصغر سناً، استراتيجية ساذجة بشكل خطير، والتي تركتهم ورفاقهم عُزلاً خلال الهجوم الذي أعقب ذلك. وفيما بعد، كتب عمرو فراج، وهو شاب بارز من جماعة الإخوان يقيم في إسطنبول، في مشاركة على فيسبوك: "كان إخواننا الأعزاء يقولون، ‘إننا سلميون’، ‘سلميتنا أقوى من الرصاص’. حسناً، لقد صُفِعنا على رقابنا". وفي وقت لاحق، كشف واحد آخر من شباب الإخوان البارزين، أحمد المغير، أن موقع اعتصام القاهرة "كان مسلحاً بما فيه الكفاية لصد وزارة الداخلية، وربما الجيش أيضاً"، ولكن معظم هذه الأسلحة تمت إزالتها قبل أيام فقط من وقوع المجزرة بسبب "خيانة" كبار قادة الإخوان.
في الأشهر التي تلت، بدأ شباب الإخوان داخل مصر بحمل السلاح. وكما أشار الباحث في معهد هدسون، صموئيل تادرس، في دراسته للإخوان ما بعد رابعة، فقد أنشأ الشباب "وحدات الحماية" للدفاع عن احتجاجات المنظمة المستمرة، وإنما التي تصبح ضعيفة باطراد، من قوات الأمن. ومع ذلك، وقبل مرور طويل وقت، اتخذت وحدات الحماية هذه جانب الهجوم، وظهر عدد من الجماعات المسلحة التي استهدفت مراكز الشرطة والأفراد العسكريين وأبراج الكهرباء والطرق ومكونات البنية التحتية الأخرى. وقد حظيت هذه الإجراءات بدعم وتشجيع بعض من كبار القادة، أبرزهم عضو المكتب التنفيذي لجماعة الإخوان المسلمين، محمد كمال، الذين ظلوا مختبئين داخل مصر، وشكلوا "لجان العمليات الخاصة" التي هدفت إلى زعزعة استقرار النظام.
إلا أن قادة "الحرس القديم" في جماعة الاخوان المسلمين حاولوا كبح جماح الفصيل "الثوري". وأعربوا عن قلقهم من أن تشكيل "لجان العمليات الخاصة" من دون موافقتها يزيد من تآكل قيادتهم وسيطرتهم الضعيفة مُسبقاً على المنظمة، وحذروا من أن يؤدي العنف الذي تمارسه جماعة الإخوان إلى إضفاء الشرعية على العنف الذي تمارسه الدولة ضد المنظمة. لكن هذه الجهود باءت بالفشل: فقد أحرز الجناح "الثوري" النصر في الانتخابات الداخلية التي جرت في أوائل العام 2014، واندلع الخلاف بين الفصيلين في منتصف العام 2015 عندما انفصل شباب الإخوان البارزون ومكاتب المحافظات المتعددة علناً عن "الحرس القديم".
وفي هذا الوقت، كلف كمال، زعيم الإخوان المسلمين الذين يدعمون أعمال العنف، "لجنة الشريعة الإسلامية للإخوان المسلمين" بصياغة دفاع قائم على أساس الشريعة الإسلامية عن "النشاط الثوري". وكما أشار مختار عوض، من جامعة جورج واشنطن، في تقريره المفصل عن تحول المنظمة نحو العنف، فإن المنتج النهائي للجنة الشرعية، بعنوان "فقه المقاومة الشعبية للانقلاب"، أقر في نهاية المطاف مجموعة واسعة من أعمال العنف، بما في ذلك قتل ضباط الشرطة والجنود وأولئك الذين يعتبرون "متعاونين" مع الحكومة المصرية. بل إن لجنة الشريعة الإسلامية زعمت أيضاً أن المسيحيين "يحاصرون المساجد ويقتلون المصلين، ويعتقلون النساء (الإسلاميات) الحرائر"، ويتغاضون عن العنف ضدهن.
بعد ذلك، قتلت قوات الأمن المصرية كمال في غارة شنتها في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2016، واستعاد "الحرس القديم" منذ ذلك الحين سيطرته على منافذ الاتصالات الرسمية للمنظمة، بما في ذلك موقعها الإلكتروني ikhwanonline.com.، لكن تيار الإخوان "الثوري" الأكثر عدوانية استمر من خلال مختلف الفروع والمبادرات.
على سبيل المثال، أصدر المجلس الثوري المصري الذي يتخذ من اسطنبول مقراً له والذي أسسه كبار قادة الإخوان المسلمين مع معارضين منفيين آخرين في العام 2014، سلسلة من أشرطة الفيديو على شبكة الإنترنت، والتي توجه أتباعه لمواجهة الجيش في البلاد خلال الثورة المقبلة، عندما تأتي. وفي أحد الإصدارات، يوعز المجلس إلى مؤيديه بتحديد جميع مواقع الوحدات العسكرية ووقف تقدمها عن طريق صب النفط على الطرق. وفي إصدار آخر، يدعو المجلس أتباعه إلى "تطويق الجيش حتى لا يقاوم الثورة"، وإلى "محاصرة مصادر غذاء الجيش"، وتحييد مطارات الجيش في بداية الانتفاضة المقبلة، والتي سيكون الغرض منها إعادة مرسي إلى سدة السلطة.
كما انضم الإخوان المسلمون "الثوريون" على الأرجح إلى المجموعات المسلحة المختلفة التي ظهرت بعد الإطاحة بمرسي، مثل "لواء الثورة" و"حسم"، التي شنت هجمات مميتة على أفراد الأمن ومنشآته منذ منتصف العام 2016. وعلى الرغم من أن علاقة هذه الجماعات مع الإخوان لا يمكن أن تتأسس إلا بشكل ظرفي فقط (على الأقل في الوقت الحاضر)، فإن أعمالها وأطروحاتها تشبه بقوة فصيل كمال، وغالباً ما تروج صفحات التواصل الاجتماعي التي تنشر هجماتها شعارات جماعة الإخوان المسلمين وشخصياتها التاريخية.
وفي الوقت نفسه، صعَّد الجناح "الثوري" للإخوان من مواجهته مع "الحرس القديم". وفي سلسلة كراسات بعنوان "رؤية 28" التي تم إصدارها في وقت سابق من هذا العام، قصف الجناح "الثوري" قادة حقبة مرسي بالنقد بسبب إخفاقاتهم الكثيرة، بما في ذلك ميلهم إلى مزج السياسة بالوعظ؛ وعدم قدرتهم على بناء أرضية مشتركة مع القوى السياسية الأخرى؛ وعدم استعدادهم الكامل للحكم بمجرد أن أصبحوا في السلطة؛ وقبولهم لدور الجيش في إدارة الانتقال السياسي الذي أعقب انتفاضة العام 2011. ومما لا شك فيه أن هذه أطروحة خادمة للذات: فالجناح "الثوري" للإخوان ينتقد بشكل فعلي "الحرس القديم" لأنه غير ثوري بشكل كاف. إلا أن الوثيقة تختتم بالدعوة إلى إنشاء "وسائل وأدوات" جديدة لمواجهة الحكومة المصرية، مما يعني ضمناً إنشاء تنظيم جديد للإخوان أو اعتناق نهج جديد يكون مكرساً لاستعادة السلطة في القاهرة.
في واقع الأمر، يبدو الإخوان "الثوريون" مستعدين للمضي قدماً من دون "الحرس القديم"، الذي يعتبرونه على نحو متزايد عبئاً ثقيلاً فائضاً. وفي مشاركة نشرها على "فيسبوك" في وقت سابق من هذا الشهر، ذكَّر الزعيم "الثوري" مجدي شلش، وهو أحد مساعدي محمد كمال، زملاءه بأن الهدف الأساسي للإخوان هو إعادة الخلافة، وحذَّر من أن ذلك الهدف لا يمكن تحقيقه طالما استمر الانقسام. ولذلك دعا إلى إجراء انتخابات داخلية جديدة، مشيراً صراحة إلى أن "مدة ولاية القيادة السابقة انتهت بالتأكيد".
بطبيعة الحال، فإن هذه ليست الكيفية التي ترى بها الأشياء قيادة "الحرس القديم" -التي ترفض تماماً سلطة الجناح "الثوري". ولهذا السبب، فإن من المرجح أن يستمر الانقسام داخل الإخوان، والذي اتسع بعد مذبحة رابعة، مع استمرار جزء صاخب من الإخوان المسلمين في الدعوة إلى، وربما هندسة الهجمات العنيفة داخل مصر. وكل هذا سيضمن أن تظل جماعة الإخوان ضعيفة سياسياً. ولا شك في أن منظمة تكون في حالة حرب مع نفسها وحكومتها لا تملك سبيلاً إلى الأمام.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Muslim Brotherhood's Fatal Mistake: The Miscalculation That Tore the Group in Two

التعليق