محمد أبو رمان

"مفهوم الدولة" لدى الأردنيين!

تم نشره في الأحد 10 أيلول / سبتمبر 2017. 11:10 مـساءً

       بمجرد أن تمّ تداول بيان منشور لإحدى العشائر بدعوى التحذير من التعرض لوزير (نفت العشيرة لاحقاً أي علم لها به) انفجرت مرّة أخرى نقاشات وسجالات بين الأردنيين على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي عن العشيرة والعشائرية، من يؤيد ومن يعارض، وهكذا!
       كالعادة غرقنا في نقاشات وحوارات داخلية يفترض أنّنا تجاوزناها منذ عقود طويلة جميعاً تتعلّق بمفهوم الدولة نفسه، هل هي دولة تقوم على أسس مدنية دستورية قانونية، وتستمد الحكومات شرعيتها من العملية السياسية أم أنّنا بدلاً من أن نتقدم للأمام، أي ترسيخ منظومة مفاهيم الدولة والمواطنة وحكم القانون على حساب الانتماءات الأوّلية، نعود نتقهقهر بصورة مرعبة إلى وراء!
     من يرصد النقاش العام لن يعجز أن يلتقط مؤشرات مقلقة عن حالة تدهور وتراجع، وليس العكس، بالرغم من أنّ المفترض – نظرياً على الأقل- أنّ الاستقرار السياسي الأردني، مقارنةً بما يحدث في المنطقة، وتجاوز الأردن تاريخياً محطات مفصلية تاريخية وجودية، كل ذلك يعمل على تطوير "الثقافة السياسية" والقيم الرئيسة التي تحكم علاقة جميع أطراف المعادلة السياسية ببعضهم؛ الحكومة بالمواطنين بالمؤسسات العامة، لكن ما يحدث العكس، ما يطرح السؤال الجوهري المسكوت عنه: لماذا نتراجع بدلاً من أن نتقدّم على صعيد هذه الثقافة والعلاقة والقيم؟!
      حسناً، قد يقول البعض بأنّ مثل هذه النتيجة المقلقة (تشويش مفهوم الدولة لدى الأردنيين) لا يجوز أن تبنى على حدث واحد، مثل هذا البيان المزعوم وما نُشر حوله من تعليقات ونقاشات، فهل هنالك دلالات ومؤشرات أخرى؟
      الجواب، للأسف، أنّ المؤشرات جميعاً تسير في الاتجاه نفسه، من هتافات الملاعب التي تستبطن هويات سياسية فرعية، تقع جميعاً على أكتاف علاقة المواطن بالدولة، وصولاً إلى العنف الاجتماعي والجماعي، والنقاشات الدائمة عن علاقة المواطنين بالدولة وامتحانات الولاء والانتماء، نمو الهويات الفرعية..الخ.
     على صعيد اللغة يمكن التقاط هذه النزعة – ضمور مفهوم الدولة الحديثة- بصورة أكثر وضوحاً، من الطبيعي أن تظهر تيارات يمينية أو فئوية وجهوية في أي بلد في العالم، حتى في أوروبا والغرب، لكن عندما يصبح الشعور بتلك "الهويات الفرعية" لدى شرائح اجتماعية أكبر من الشعور بالالتزام بحكم القانون، فإنّ القلق من الضروري أن يتحول إلى هاجس حقيقي.
    كنتُ أقرأ قبل أيام رسالة غاضبة من أحد المواطنين إلى المسؤولين في البلاد، وهي رسالة منطقية، يمكن أن نفهم من خلالها خطاب معارضة، مثلما كانت الحال تاريخياً مع شخصية مثل ليث شبيلات، لكن لغة الرسالة مختلفة، بل مرعبة، تفضح حجم الشكّ أو الغموض المتنامي لدى شريحة اجتماعية واسعة، فهي تخلط بين الأبعاد الاجتماعية بالاقتصادية بالسياسية، بالأزمة المركّبة بين العاصمة والمحافظات، باللغة العنصرية، باتهامات خطيرة مخجلة!
    هنا، يا سادة، بيت القصيد، في ظل الظروف الاقتصادية القاسية، وتبدّل دور الدولة، من المفترض أن تكون السياسات الرسمية نبراساً للجميع، يضيء لهم الطريق، والحكومة قائد للمجتمع، لكن أن تكون هذه السياسات جزءاً من المشكلة والحكومة تائهة، فهذه مصيبة عظيمة!
    قارنوا بين لغة المعارضة، مثل ليث شبيلات والإسلاميين والقوميين سابقاً، وبين لغة المعارضة الجديدة الشعبية، ستشعرون بخطورة الوضع وبالانتكاسات الثقافية والسياسية التي أتحدث عنها هنا!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحل (فايز شبيكات الدعجه)

    الاثنين 11 أيلول / سبتمبر 2017.
    تشخيص دقيق للمشكلة لكن ما هوالعلاج ؟...سؤآل كبير للدولة ...ظاهرة بدأت تتسع
  • »التفاوت الطبقي الحاد (بسمة الهندي)

    الاثنين 11 أيلول / سبتمبر 2017.
    هناك بعد اجتماعي للظروف الاقتصادية القاسية؛ الشعور بالتهميش وتراجع المكانة الاجتماعية والشعور بالذنب لعدم القدرة على تلبية احتياجات الاسرة الأساسية (بالعادة في مجتمعاتنا هذا الأمر مربوط بالرجولة)، فالمرء يشعر بأنه فاقد للسيطرة على مسار حياته ومستقبله.
    وفي العادة الناس في الطبقات الاقتصادية الأدني هم الأقل قدرة على التأقلم مع الظروف الاقتصادية الصعبة لأنهم الأقل امساكا بالبدائل والموارد من الطبقات الأعلى.
    ولذلك يسعى الناس الذين يعانون من أثار القساوة الاقتصادية إلى البحث عن المسؤول عن معاناتهم وأن المشكلة ليست بهم، كما يسعون إلى حماية مكاناتهم الاجتماعية المتآكلة (بالدين أو بالعشيرة أو غيرهما - احنا أحسن منهم)، كما يسعون إلى اثبات سيطرتهم على حياتهم من خلال فتل عضلاتهم أمام من يهمشهم (بالاحتجاج السلمي أو المقاومة العنيفة أو الجريمة والتنمر). ويصبح هناك هوس باستعادة المكانة الاجتماعية.والصراع على الموارد والامتيازات.
    الناس غاضبة ومتوترة هنا إلى حد غير مسبوق بسبب الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وتعبر عن ذلك بطرق مختلفة، والأكيد أن بعضها بدائي وسيء بقيم الحداثة والعقلانية، ولكن جوهر المشكلة يبقى الاقتصاد والعلاج يبدأ من هناك.
    الأهم، ومن وجهة نظري، أن لا شيء يغضب الناس مثل الشعور بالتفاوت الطبقي الحاد؛ مظاهر الثراء غير المسبوقة لقلة أمام حياة اقتصادية قاسية لمعظم الأردنيين هي المحرك الأساسي للغضب هنا اليوم.
  • »المفهوم ؟؟؟ (يوسف صافي)

    الاثنين 11 أيلول / سبتمبر 2017.
    يؤخذ ويقرأ المفهوم من خلال الإجراء استاذ محمد طالما مازالت المناطقية أساسا في توزيع المناصب ؟؟؟ وأعتقد ان اللامركزيه ستخفف من صدى "سياسة راس روس كل واحد بدو على راسه ريشه "وان زادت بعديد الروس ؟؟؟"ان الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابانفسهم "