المخاطر وراء عناوين الأخبار

تم نشره في الثلاثاء 12 أيلول / سبتمبر 2017. 12:00 صباحاً

حنة ستورم*

لندن - منذ وقت ليس ببعيد، كان الصحفيون الوحيدون الذين يعملون في بؤر الصراع حول العالم والذين قد يحصلون على الحماية هم الذين يعملون لحساب مؤسسات إخبارية غنية، وهي في غالبيتها مؤسسات إخبارية غربية، حيث عادة ما يحضر هؤلاء الصحفيون دورات مكلفة يديرها أفراد سابقون في القوات الخاصة، الذين يقومون بتدريبهم على العمل ضمن بيئة عدائية، كما يتم تزويدهم بسترات واقية وخوذ بالإضافة إلى مجموعة من الإسعافات الأولية.
لكن الصحفيين في الأماكن الأخرى نادراً ما يستفيدون من ثقافة السلامة تلك. وفي حالات كثيرة، تعرض صحفيون من المكسيك والبرازيل إلى الباكستان والصومال للقتل مع إفلات قاتليهم من العقاب. ففي كثير من الأحيان، عندما يتم إسكات الرسول يتم وقف الرسالة كذلك.
قام المعهد الدولي لسلامة الأخبار على مدى الـ15 سنة الماضية بجمع قائمة بالصحفيين الذين لقوا حتفهم أثناء قيامهم بمهام عملهم، وكانت النتائج صادمة، حيث وجدنا أن من بين كل 10 صحفيين قتلوا، فإن 9 منهم لقوا حتفهم أثناء ممارستهم مهام عملهم في وطنهم. وقد اضطر عدد لا يحصى من الصحفيين الآخرين إلى التخلي عن منازلهم ووظائفهم وبلدانهم، بينما في كثير من الأحيان يعيش أولئك الذين فضلوا البقاء في أوطانهم في خوف دائم على سلامتهم.
يتعرض الصحفيون منذ فترة طويلة لخطر الاختطاف أو القتل في الأماكن التي تريد فيها الأنظمة الفاسدة أو الجماعات المسلحة التحكم بتدفق المعلومات. لكن هذا التهديد أصبح في السنوات الأخيرة كبيراً لدرجة أن بعض البلدان أصبحت الآن فعلياً مناطق محرمة على المؤسسات الإخبارية العالمية.
يدرك المراسلون الغربيون هذه المخاطر عند سفرهم إلى الخارج لتغطية مناطق الحرب الساخنة. ولكنهم يواجهون الآن مخاطر مماثلة في الداخل. فحيثما يعمل الصحفيون -سواء كانوا متصلين بالإنترنت أو غير متصلين- يجب عليهم أن يضعوا في اعتبارهم المخاطر الجسدية والنفسية والرقمية أكثر من أي وقت مضى.
لقد أثرت الهجمات الإرهابية على المؤسسات الإخبارية بطرق غير متوقعة، ولا سيما في أوروبا؛ حيث إن الكثير من أولئك الذين وصلوا أولاً موقع تفجير مانشستر أرينا أو المذبحة التي وقعت في قاعة الحفلات الموسيقية في باتاكلان في باريس، لم يتلقوا التدريب البدني لمثل هذه الاحتمالات، كما لم يكونوا مستعدين نفسياً لتغطية القصص التي سيتعرضون فيها إلى هذه الدرجة من الصدمة.
استجابة لهذه الأحداث، بدأت بعض غرف الأخبار بالاستعداد في حالة أثر الهجوم الإرهابي المحلي بشكل مباشر على عملياتها. ولدى المؤسسات الصحفية -بما في ذلك هيئة الإذاعة البريطانية ومؤسسة الخدمة العامة الهولندية وغيرها في جميع أنحاء أوروبا– خطط موضوعة للصحفيين الذين يتعرضون للحوادث في مدنهم، أو تلك التي تستهدف مباشرة غرف الأخبار الخاصة بهم.
بعيداً عن الرصاص والقنابل، يواجه الصحفيون أيضاً تهديدات نفسية متزايدة في أوطانهم. وقد اختار تقرير شاركت في تأليفه للمعهد الدولي للسلامة في تموز (يوليو) اسماً لمثل هذا التهديد، وهو ظاهرة تعرف باسم "الضرر المعنوي". وتطرق التقرير الذي نشره معهد رويترز لدراسة الصحافة في جامعة أكسفورد إلى تأثير تغطية أزمة اللاجئين الأخيرة في أوروبا على عاملي وسائل الإعلام. ووجدنا أن التغطية الإخبارية لقصة صادمة يمكن أن يكون لها تأثير عميق على الصحة النفسية للصحفي.
وأشار بحثنا إلى أن مشاعر الذنب والعجز يمكن أن تكون طاغية عندما تتعارض الأحداث "مع القيم المعنوية الشخصية أو القيم الأخلاقية أو قواعد السلوك". وسلطنا الضوء على أهيمة التعليم للوقاية من مخاطر الإصابة بالضرر المعنوي؛ حيث أوضحنا أن "الصحفيين بحاجة إلى فهم أن هذا هو المشهد الجديد وهو جزء من المشهد النفسي للمهنة". واقترح تقريرنا أيضاً أن على المؤسسات الصحفية تقديم الدعم لأولئك الذين في أمس الحاجة إليه، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأفراد يستجيبون ويتعافون من الصدمة بطرق مختلفة.
يواجه الصحفيون في الولايات المتحدة نوعاً آخر من التهديد النفسي، وهو المضايقة من قبل حكومتهم. فعلى الرغم من أن الصحفيين يتمتعون بالحماية بموجب التعديل الأول للدستور الأميركي، إلا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب استخدم موقعه المتميز على وسائل التواصل الاجتماعي لتشوية سمعة وسائل الإعلام الإخبارية برمتها بشكل دائم، علماً بأن ازدراء ترامب لحرية التعبير يشبه ما تفعله الحكومات الاستبدادية من تركيا إلى الفلبين؛ حيث يتم اعتقال وسجن ومضايقة أعداد قياسية من الصحفيين.
كما أن الصحفيين معرضون للهجوم بشكل متزايد على الإنترنت، حيث خلق عدم الكشف عن هوية الشخص ثقافة التصيد والتحرش، واضطرت الصحفيات إلى تحمل العبء الأكبر من الهجمات الرقمية التي يمكن أن تتصاعد بسرعة لتصبح تهديدات بالعنف الجنسي. ورداً على ذلك، ترك العديد من الصحفيين وسائل التواصل الاجتماعي بينما ترك آخرون مهنة الصحافة برمتها.
يظل العالم مكاناً محفوفاً بالمخاطر بالنسبة للصحفيين. وهذا بالتحديد هو السبب الذي يجعلنا نفعل كل ما في وسعنا لحمايتهم؛ حيث أصبحت الصحافة مهمة أكثر من أي وقت مضى. واليوم، ونحن نعيش ضمن مشهد الأخبار الصاخب والمربك ومتعدد القنوات حيث تباع "الأخبار المزيفة" كحقيقة، فإننا نحتاج إلى تقارير تحليلية ومسؤولة ومتمتعة بالمصداقية أكثر من أي وقت مضى.
توفر الصحافة الحرة الحقيقة، بالإضافة إلى مساءلة السلطة، وتتصدى لأي تهديد للحرية والعدالة. لكن الصحافة لا يمكنها أن تكون حرة أبداً إذا لم يتم الإبقاء على العاملين فيها في وضع آمن.

*مديرة مؤسسة سلامة الأخبار الدولية.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق