كيف قادت حروب "تغيير النظام" إلى نشوب الأزمة الكورية؟

تم نشره في الاثنين 11 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً
  • جنود أميركيون يُسقطون تمثالاً للرئيس العراقي صدام حسين بعيد احتلال العراق في العام 2003 - (أرشيفية)

روبرت باري* - (كونسورتيوم نيوز) 4/9/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

شكل العدوانان بقيادة الولايات المتحدة على العراق وليبيا جريمتي حرب تستمران في إنتاج مزيد من الكلف؛ حيث تدفع أمثلتهما القاتمة عما حدث للقادة الذين تخلصوا من أسلحة الدمار الشامل المواجهة المحلية المرعبة مع كوريا الشمالية.
*   *   *
من الدارج في الإعلام الأميركي وصف الزعيم الكوري الشمالي كيم يونغ أون بأنه "مجنون" بينما يسعى إلى تطوير قنبلة نووية وقدرة صاروخية لإيصالها. لكنه في الحقيقة يعمل من منطق سليم أملته الحروب العدوانية للحكومة الأميركية وافتقارها إلى النزاهة.
في الحقيقة، يمكن النظر إلى الأزمة الكورية الشمالية الراهنة التي قد تفضي إلى قتل ملايين الناس، على أنها كارثة تابعة لحرب جورج دبليو بوش على العراق ولتدخل الرئيس باراك أوباما في ليبيا. وقد وقعت كلتا الحربين بعد تفكيك زعيمي العراق وليبيا برامج أسلحتهما الخطيرة، مما ترك بلديهما بلا حول ولا قوة من الناحية الفعلية عندما اختارت الحكومة الأميركية غزوهما.
في كلتا الحالتين، استغلت الحكومة الأميركية سيطرتها على الإعلام العالمي لنشر أكاذيب عن النظامين المستهدفين كتبرير لغزوهما -بينما فشل المجتمع الدولي في عمل أي شيء لمنع العدوانين الأميركيين.
ثم، في رسالة شخصية قاتمة، قتل زعيما البلدين، صدام حسين ومعمر القذافي، بشكل وحشي، حيث شُنق صدام ومات القذافي على يد الرعاع الذين طعنوه أولاً بسكين.
وهكذا، قد يشارك المحافظون الجدد الذين روجوا لغزو العراق بزعم حماية العالم من أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة -والتدخليون الليبراليون الذين دفعوا من أجل تنفيذ غزو ليبيا استناداً إلى ادعاءات إنسانية زائفة- في الإمكانية المرعبة لملاقاة ملايين الناس في كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية واليابان وربما غيرها حتفهم من أسلحة دمار شامل حقيقية تطلقها كوريا الشمالية و/أو الولايات المتحدة.
قد يريد "خبراء" السياسة الخارجية في واشنطن الذين يخطِّئون مقاربة الرئيس ترامب المحمومة والحربية تجاه هذه الأزمة النظر إلى المرآة وتدارس الكيفية التي اسهموا من خلالها في الفوضى من خلال تجاهل التداعيات المتوقعة والناجمة عن غزو العراق وليبيا.
نعم، أعرف أنه كان من المثير في ذلك الوقت الاحتفاء بعقيدة بوش القائمة على شن الحروب الوقائية، حتى بسبب "واحد بالمائة" من الشك في أن ثمة "دولة مارقة" مثل العراق ربما تشارك أسلحة دمار شامل مع الإرهابيين -أو عقيدة كلينتون التي أشاد بها أتباع وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون المتيمون بتطبيق "القوة الذكية" لتحقيق "تغيير النظام" في ليبيا.
ومع ذلك، وكما نعرف الآن، بنيت كلتا الحربين على الكذب. فالعراق لم يكن يتوافر على مخزونات أسلحة دمار شامل كما ادعت إدارة بوش؛ وليبيا لم تكن منخرطة في قتل جماعي للمدنيين في المناطق الثائرة في الجزء الشرقي من البلد كما زعمت إدارة أوباما.
لقد أثبتت التحقيقات التي أجريت في أعقاب غزو العراق زيف خرافة بوش عن وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق، بينما خلصت لجنة تحقيق برلمانية بريطانية إلى استنتاج أن الحكومات الغربية أساءت فهم الوضع في شرقي ليبيا، حيث كانت القوات الموالية للعقيد القذافي تستهدف الثوار المسلحين ولم تكن تقتل المدنيين بصورة عشوائية.
لكن تلك المهمات المتأخرة لكشف الحقائق لم تجلب السلوى لصدام حسين أو معمر القذافي، ولا لبلديهما اللذين شهدا مجازر جماعية نجمت عن غزوين رعتهما الولايات المتحدة، وأصبحا اليوم دولتين فاشلتين.
كما لم تكن هناك أي مساءلة عملية عن جرائم الحرب التي ارتكبتها إدارتا بوش وأوباما. وكان كل من بوش وأباما قد توليا الرئاسة في البيت الأبيض لفترتين رئاسيتين. ولم يعاقب أي واحد من كبار مستشاري بوش -بينما قام الحزب الديمقراطي الأميركي بتسمية هيلاري كلينتون  لتكون مرشحته لرئاسة الولايات المتحدة.
أما بالنسبة لإعلام الاتجاه الرئيسي الأميركي الذي تصرف كمورج لكلا الغزوين، فقد استمر الكثيرون جداً من المدافعين الصحفيين عن الحرب في شغل مهنهم البارزة. ولتبرير سلوكهم غير المهني، عمد العض منهم حتى إلى الدفع بأكاذيب تعديلية، مثل الادعاء العام -وإنما الزائف- بأن صدام يتحمل اللوم لأنه تظاهر بأنه يتوافر على أسلحة دمار شامل -في وقت قدمت فيه حكومته تقريراً مفصلاً للأمم المتحدة في كانون الأول (ديسمبر) 2002 يقع في 12.000 صفحة، والذي يصف الكيفية التي تم من خلالها تدمير أسلحة الدمار الشامل (مع أنه تم الاستهزاء بذلك التقرير الدقيق ثم تجاهله في نهاية المطاف).
غياب كامل للنزاهة
يشكل الغياب الكامل للنزاهة الذي يسود راهناً لدى الحكومة الأميركية وإعلام الاتجاه الأميركي السائد عاملاً مساهماً آخر في الأزمة الكورية الشمالية. مَن هو الشخص العاقل في أي مكان على وجه البسيطة، والذي يستطيع أن يثق في التطمينات الأميركية؟ ومن يصدِّق ما تقوله الحكومة الأميركية، باستثناء إعلام الاتجاه الأميركي السائد بطبيعة الحال؟
ولنتذكّر أيضاً أن البرنامج النووي الكوري الشمالي كان قيد التجميد في الجزء الضخم منه قبل أن يلقي جورج دبليو بوش خطابه الذي حدد فيه دول "محور الشر" في كانون الثاني (يناير) من العام 2002، والذي ربط فيه إيران والعراق -اللذين كانا عدوين لدودين في ذلك الحين- مع كوريا الشمالية. وبعد ذلك انسحبت كوريا الشمالية من اتفاقيات سابقة حول الحد من تطورها النووي لتشرع في العمل الجاد لصنع قنبلة.
ومع ذلك، وبينما تحركت كوريا الشمالية نحو شكل من التدمير الأكيد المتبادل، اختار العراق واختارت ليبيا مساراً مختلفاً.
في العراق، وبغية منع حدوث غزو تقوده الولايات المتحدة وتهدد بتنفيذه، سعت حكومة صدام حسين إلى إقناع المجتمع الدولي بأنها أوفت بتعهداتها فيما يتعلق بتدمير ترسانة وبرامج أسلحة الدمار الشامل. وبالإضافة إلى الإعلان المفصل، منح العراق مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة صلاحيات واسعة للتفتيش الميداني.
لكن بوش اختزل جهود التفتيش في آذار (مارس) 2003، وشن غزو "الصدمة والرعب" الذي قاد إلى انهيار نظام صدام حسين وإلى اعتقال الزعيم العراقي وإعدامه في نهاية المطاف.
إيماءات القذافي
وفي ليبيا، سعى القذافي أيضاً إلى التعاون مع المطالب الدولية المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل. فأعلن في أواخر العام 2003 أن بلده سيزيل برامج الأسلحة غير التقليدية لديه، بما في ذلك برنامج نووي كان في مهده.
وسعى القذافي أيضاً إلى الخروج بليبيا من أسر العقوبات الاقتصادية عندما أعلن مسؤولية بلاده عن تفجير طائرة الخطوط الجوية الأميركية "بان أميركان" رحلة 103 فوق لوكيربي الاسكتلندية في العام 1988، مع أنه استمر هو وحكومته في نفي القيام بالهجوم الإرهابي الذي تسبب في مقتل 270 شخصاً.
لكن هذه الجهود لتطبيع علاقات ليبيا مع الغرب فشلت في حمايته وحماية بلده. وفي العام 2011، عندما أطلق متشددون إسلاميون انتفاضة حول بنغازي وتحرك القذافي لسحقها، انهمكت وزيرة الخارجية الأميركية، وقد انضم إليها بعض البلدان الأوروبية، في السعي من أجل إقرار التدخل العسكري للقضاء على نظام الفذافي.
وفي ذلك الحين، أقر مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة خطة للحماية الإنسانية للمدنيين في بنغازي ومن حولها، لكن إدارة أوباما وحلفاءها الأوروبيين استغلوا تلك الثغرة لشن حرب شاملة "لتغيير النظام".
وكانت شخصيات إعلامية مرموقة، مثل أندريه مايكل من محطة "ام اس ان بي سي" قد أطرت على الحرب بادعاء أن يدي القذافي "ملوثتان بدماء الأميركيين" بسبب قضية طائرة بان أميريكان، لأنه قبل بتحمل المسؤولية. وتم في الأثناء تجاهل حقيقة أن حكومته استمرت في نفي ضلوعها بالذنب الفعلي -بينما كانت الإدانة الدولية للمواطن الليبي عبد الباسط المقراحي صورة زائفة ساخرة. ولم يجرؤ أحد في الغرب تقريباً على التساؤل عن التفكير الجماعي القائم منذ وقت طويل في الذنب الليبي.
ومع حلول تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2011، كان القذافي قد هرب من طرابلس، فألقى الثوار القبض عليه في سرت. وقد تعرض للتعذيب والاعتداء الجنسي عليه بسكين ثم أعدم. واحتفت كلينتون التي شعر مساعدوها بأنها يجب أن تنسب الفضل في الإطاحة بالقذافي إلى نفسها بمقتله بضحكة ساخرة: "لقد حضرنا وشاهدنا: لقد مات".
لكن تحذيرات القذافي من الإرهابيين الإسلاميين عادت ثانية لتتلبس كلينتون عندما هاجم متشددون في 11 أيلول (سبتمبر) 2012 القنصلية الأميركية محطة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية هناك، مما أسفر عن مقتل السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز وثلاثة أميركيين آخرين.
فشل التحقيق الجمهوري في هجوم بنغازي في عرض العديد من الادعاءات الرهيبة بإهمال كلينتون، لكنه جلب إلى السطح حقيقة أنها كانت قد استخدمت خادماً خاصاً لبريدها الإلكتروني الرسمي في وزارة الخارجية، مما قاد بالتالي إلى تحقيق أجراه مكتب التحقيقات الفدرالي والذي كانت نتائجه ضارة كثيراً بترشحها للرئاسة.
الدروس التي تم تعلمها
عوداً على بدء؛ في كوريا الشمالية كان الدكتاتور الشاب كيم جونغ أون يدرس كل هذا التاريخ. ووفق مصادر متعددة، استخلص أن سلامته وسلامة بلاده تتمثل في وجود رادع نووي حيوي يصد أي حرب "تغيير نظام" ترعاها الولايات المتحدة -وحيث سيلقى مصيراً مشابهاً لمصير كل من صدام والقذافي.
ومنذ ذلك الحين، عمد كيم ومستشاروه إلى إيضاح أن تسليم ترسانة كوريا الشمالية النووية الصغيرة هو موضوع غير مطروح على الطاولة. وهم يعرضون الفكرة المفهومة عن أن الولايات المتحدة أظهرت سوء نية في قضايا أخرى حيث سلم قادة آخرون أسلحة الدمار الشامل التي كانت لديهم تماشياً مع المطالب الدولية، ليشهدوا بلادهم تتعرض للغزو وليواجهوا هم أنفسهم إعداماً بشعاً.
والآن، يواجه العالم مأزقاً، حيث ثمة الرئيس ترامب غير المجرب يواجه أزمة كان سلفاه قد ساعدا في خلقها، ويجعلها أسوأ. وقد هدد ترامب بمواجهة كوريا بـ"النار والغضب" على نحو لم يشهده العالم من قبل، موحياً بتوجيه ضربة نووية لكوريا الشمالية، التي توعدت في المقابل بالرد.
من الممكن أن يقضي ملايين الناس في شبه الجزيرة الكورية واليابان -وربما في أمكنة أخرى- في هذا الحريق. ومن الممكن أن يلحق ضرر بالغ في الاقتصاد العالمي بالنظر إلى الجبروت الصناعي في كل من اليابان وكوريا الجنوبية وحجم أسواقهما الاستهلاكية.
إذا مر هذا الرعب بسلام، سوف تعود الحكومة الأميركية وإعلام الاتجاه السائد الأميركي على وجه التأكيد إلى تفسيرهما المعياري القائل إن كيم ببساطة "مجنون" وجلب هذا الدمار على نفسه. وقد يهاجم منتقدو ترامب الليبراليون ترامب على عدم تركيزه في الدبلوماسية.
لكن الحقيقة أن العديدين في صفوف صانعي السياسة النخبويين في واشنطن -في الجانبين، الجمهوري والديمقراطي على حد سواء- سيشاركون في تحمل وزر اللوم. وكذلك أيضاً يجب أن يلام إعلام الاتجاه الأميركي السائد.

*صحفي استقصائي كشف العديد من قصص إيران-كونترا لصالح وكالة الأسوشيتدبرس ومجلة النيوزويك في ثمانينيات القرن الماضي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: How “Regime Change” Wars Led to Korea Crisis

التعليق