اليسار لا يريد الانتصار

تم نشره في الثلاثاء 12 أيلول / سبتمبر 2017. 12:00 صباحاً

هآرتس

تسفيا غرينفيلد

 توجد علاقة بين الشك الظاهري الذي يبرز حاليا في وسائل الإعلام تجاه مني نفتالي وبين التحمس لحملة المقابلات مع المرشح الأميركي السابق ساندرز، كما نشرت في ملحق هآرتس الاخير، والنقاش الذي يجري مؤخرا بين د. غادي تاوب والبروفيسور دافيد أنوخ على صفحات الصحيفة. القاسم المشترك بينها جميعها ليس فقط حقيقة أن الارتباط هو جزء أساسي من حدوثها، بل حقيقة أنها تبرهن على أن اليسار – في إسرائيل وفي الغرب بشكل عام – فقد ارادته في الانتصار في الانتخابات والوصول إلى الحكم. إذا لم يكن الأمر كذلك، لا يمكن أن نعرف لماذا قيادته الايديولوجية (إذا لم تكن ايضا السياسية) قد دفعت إلى مواقف أكثر تطرفا، لا تمكنها من الحصول على التأييد الواسع الذي بواسطته يمكن الانتصار في الانتخابات.
من المهم بالتأكيد التذكير، وحتى تعزيز مبادئ اساسية لرؤية اليسار، وخاصة ازاء سقوط سياسي وفكري مستمر، الذي فيه يجر حكم اليمين الجمهور إلى وجهات مدمرة. ولكن التمسك بنظرة واقعية متطرفة تناقض ما يراه العقل السليم، لا سيما الرفض المحق لدراسة تفسيرات اخرى بسبب تحفظات اخلاقية شكلية، يضمن أن يواصل اليسار الايديولوجي الراضي جدا عن مواقفه اجراء نقاشات مهمة جدا، لكنه سيبقى قليل الأهمية في المجال السياسي الذي يقرر الحقائق على الارض.
الواقع السياسي والاجتماعي دائما يكون أكثر تعقيدا من المبادئ الايديولوجية التي تحاول توجيهها، ومن ينجرون خلف مبادئهم ويعشقون موقعهم الاخلاقي، يؤدون بصورة شبه أكيدة إلى الفشل.
هذا الرأي صحيح ايضا فيما يتعلق باليمين الراديكالي، لكن بالنسبة لليسار فان المشكلة أصعب، لأن اليسار بصفته حركة سياسية في الدول الديمقراطية الغربية، لم يتنازل فقط عن احتمال الانتصار على اليمين، بل كنوع من الدافع إلى الانتحار، يناضل الآن بكل السبل من اجل تغيير الحكم. هذا النموذج العام يصبح أكثر وضوحا عندما ننظر إليه من بعيد. عمانوئيل مكرون تم انتخابه باغلبية كبيرة رئيسا لفرنسا من اجل الانتصار على اليمين المتطرف، لكن من الواضح أن اليسار الايديولوجي لجان لوك ملنشن رفض دعمه، وكذلك الأمر ايضا في الولايات المتحدة، حيث حاولت هيلاري كلينتون الانتصار على الموجة العارمة من المعارضة لليسار التي نشأت في عهد باراك أوباما. ولكن صديقون مثل ساندرز ومؤيديه اعتقدوا انه من الافضل تأييد دونالد ترامب وليس تأييد "امرأة تلقت الرشوة من وول ستريت".
بشكل مشابه طرد في حينه حزب العمال البريطاني طوني بلير ودفع نفسه إلى هامش المجتمع مع الاخوة مليفان وجيرمي كوبن الايديولوجيان. في الوقت الحالي تظهر حتى انغيلا ميركل في المانيا وهي تحاول بصعوبة التخلص بشكل سريع من نتائج سياستها، التي انحرفت في السنوات الاخيرة أكثر من اللازم نحو ايديولوجية اليسار الأوروبي الراديكالي. وكجائزة على سياستها حظيت ميركل بتغطية اعلامية واسعة، وهو ما يحدث بصورة عامة لزعماء اليسار المتطرف. ولكن من اجل العودة إلى انتخابها مستشارة يجب عليها الآن العودة إلى الوسط المعتدل، الذي تم انتخابها على اساسه، حيث أدارت ظهرها لتركيا وأسمعت صوتا متحفظا تجاه اللاجئين في أوروبا. وإلا فان الجمهور سينحرف إلى خيارات يمينية أكثر.
إذا كان اليسار في إسرائيل يهتم حقا بتغيير الحكم والتوصل إلى حل لمشكلة الاحتلال والفلسطينيين، لم يكن سيتشجع بهذا القدر على الغاء كل سبيل آخر ممكن، ولم يكن سيواصل معارضته الشديدة والاستخفاف الدائم بيئير لبيد والوسط.

التعليق