خطب جمع بلا دسم!

تم نشره في الثلاثاء 12 أيلول / سبتمبر 2017. 11:04 مـساءً


فكرت مليًا قبل أن أبدأ بخط هذه الكلمات، التي حتمًا سيفهمها البعض بأنها نوع من أنواع الكفر أو زندقة، وكلي أمل بأن يتم فهمها على معناها الحقيقي وما قُصدت به ليس أكثر.
إن المتتبع لما يجود عليه بعض الخطباء من على منابر المساجد كل يوم جمعة، الذي هو بمثابة اجتماع أو مؤتمر مصغر لبحث قضايا الوطن والمواطنين، يخرج بنتيجة صعبة جدًا وهي عدم الاستفادة من الخطب لافتقارها للدسم والمغزى والمعنى التي وجدت من أجله.
فالكثير من الخطباء يكررون علينا دروسا وقصصا تم اشباعنا بها منذ نعومة أظفارنا، أو يمجدون أبطالا مضى عليهم قرون.. صحيح أن أولئك ببسالتهم وما قدموه من تضحيات نشروا الإسلام بصورته الحقيقية السمحة، فالتاريخ لا يُنسى. لكن ما يترك في القلب ألما وفي الحلق غصة هو فقط التغني والتمجيد بماض، صحيح أنه ناصع البياض، لكن يجب أن لا نقف عنده، فهذا ما لا يقبله عاقل يريد مواكبة التطور الحضاري والتكنولوجي الذي حض عليه قرآننا الكريم.
فللأسف، نجد أن بعض الخطباء، الذين أكد وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية وائل عربيات بأن "أكثر من نصفهم غير مؤهلين"، جل اهتمامهم هو فقط تعليم أمور تقليدية تعلمها معظمنا في الصفوف الدراسية الأولى أو في منازلنا بين أفراد أسرنا.
لماذا لا يقوم هؤلاء بتعليم المواطن بأن "الدين هو المعاملة"؟، وأن رب العزة عظيم رؤوف رحيم، كتب على نفسه الرحمة، وأن رب العالمين قد يُسامح بما فرضه على عباده من صلاة وصوم وزكاة وحج البيت، لكنه جل في علاه لا يُسامح بحقوق البشر أو الاعتداء عليها أو نهش أعراض الناس.
لماذا لا يركزون على تعليم المواطن حب وقبول الآخر؟، مهما كانت ديانته ما دام لا يؤذي أيًا من المسلمين ولا يعتدي على حرماتهم ولا يحتل أو يغتصب أرضا منهم.. لماذا لا يذكروننا بكلمات أجدادنا: "دع الخلق للخالق"؟.
لماذا لا يقومون بالدعوة والحث على العمل المتقن والعلم السليم على الوجه الصحيح، الذي ينفع البشرية؟، لا جعلنا فقط مقلدين لغيرنا أو مستوردين لبضائع الأمم الأخرى، لماذا يوهموننا بأن الدين فقط صلاة وصوم وزكاة؟، فأحد أسباب خلق البشر هي عمارة الأرض بعد عبادة الله عز وجل، فالعمل عبادة واتقانه كذلك.
لقد تم إيصالنا إلى درجة أننا أصبحنا نشعر بملل من الخطبة لكثرة ما فيها من تكرار وأمور مسلمات صغارنا يعرفونها حق المعرفة، فضلاً عن افتقارها لأسلوب علمي ممنهج، ناهيك عن أن هناك خطباء لا يتقنون بل لا يعلمون أدنى درجات فن الخطابة.
يجب على وزارة الأوقاف أن تعد العدة وتبذل جهودا مضنية لتدريب وتأهيل الخطباء في سبيل رفعة هذا الدين ومن ثم الوطن وبالتالي المواطن.

التعليق