الصراخ على الطفل.. أذى نفسي يمتد حتى يكبر

تم نشره في الأربعاء 13 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً

منى أبو صبح

عمان- "الصراخ لا يعلم" هذه العبارة تؤمن بها الثلاثينية أم أسامة، وتحرص عليها في التعامل مع أطفالها الصغار، على النقيض من الأب الذي لا يأبه من تعنيف أبنائه لفظيا سواء كانوا بمفردهم أو أمام الآخرين.
أم أسامة لديها ثلاثة أطفال (11، 9، 7) أعوام، ولاحظت في الآونة الأخيرة أن أطفالها الصغار يكررون كلمات التوبيخ التي يطلقها والدهم على بعضهم وعلى الآخرين، عند رغبتهم في الحصول على شيء، وأحيانا خلال نقاشهم أو حوارهم مع غيرهم.
لم تيأس الأم في محاولة تعديل سلوك زوجها (بالصراخ) تجاه أطفالها، من خلال حديثها معه وتأكيدها بأن ذلك يؤثر على بناء شخصيتهم، كما تؤكد أن هذا السلوك الخاطئ سبب رئيسي في وقوع العديد من المشاكل بينهما.
ويعتقد العديد من الآباء والأمهات أن الصراخ وسيلة ناجعة في ردع أطفالهم عن تكرار الخطأ، إلا أن الخبراء والتربويين يؤكدون أن ذلك من أسوأ طرق التعامل مع الأطفال لما له من أثر سيئ على مشاعرهم وأمانهم النفسي.
ولا شك أن الأهل يتعرضون للعديد من ضغوط الحياة اليومية، وهم من يتحملون أعباء ثقيلة لصالح أبنائهم سواء في إطعامهم وكسوتهم ومدارسهم.. وغيرها، لكن ممارسة أسلوب الصراخ على الطفل سواء في المنزل أو المدرسة تجعلهم في حالة توتر دائم وتؤثر على شخصيتهم في المستقبل.
أما والدة الطفل "نائل" في الصف الرابع، فلم يكن منها سوى مراجعة مدرسة ولدها العام الماضي، والشكوى لها من كثرة الصراخ على ابنها من قبل إحدى المعلمات.
تقول أم نائل: "شعرت أن ولدي بات يكره المدرسة، ويختلق أسبابا مختلفة حتى يتمكن من التغيب عن مدرسته، وعند محاورته مرارا وتكرار علمت أن معلمة الرياضيات تستخدم أسلوب الصراخ عليه دائما وتوبخه أمام الطلبة لعدم مشاركته في الحصة الدراسية".
أم نائل تداركت تفاقم هذه المشكلة؛ حيث قامت مديرة المدرسة باتخاذ الإجراء المناسب من خلال حديثها مع المعلمة، وتأكيد أهمية تحفيز الطلبة وتحسين أدائهم الدراسي لا توبيخهم وإحباطهم.
ويعترف الوالد أبو لؤي أنه لا يستطيع ردع أطفاله عن الخطأ إلا بالصراخ، مؤكدا أنه تربى على ذلك من قبل والده ومعلميه في المدرسة، رائيا أن هذا السلوك يجعل من الطفل شخصية قوية، تستطيع مواجهة وتحمل الصعاب في المستقبل.
وفي هذا السياق، يرى اختصاصي علم النفس د. موسى مطارنة، أن الصراخ على الأطفال هو "عنف لفظي" له آثار سلبية ويشكل إساءة للطفل، لأنه كما نعلم نفس الطفل شفافة بيضاء، وكل شيء يلتصق بها سواء إيجابيا أو سلبيا ويؤثر على شخصية الطفل في المستقبل.
وبين أن الصراخ حالة من الرعب والخوف تفقد الطفل الأمان، وهذا يعني تكوين رهاب اجتماعي لديه عندما يكبر، منوها إلى أن الطفل الذي يتعرض للصراخ والعنف سواء لفظيا أو بدنيا أو جنسيا أو أيا كان من الإساءة هو معنف دائما، ويعاني من المشكلات الشخصية والنفسية، وتنعكس على طريقة حياته وسلوكه وتعامله مع الآخرين.
وينسحب التعنيف على الطفل، وفق مطارنة، على الطفل، فنجده يحب العزلة ويعاني من الانقباض على الذات وعدم الفاعلية، ويشعر بالدونية وبأن المجتمع كله يكرهه، ويعتقد كذلك أن الحياة لا تهمه، وبالتالي يمكن أن تصل حالته للاكتئاب أو يتحول إلى "قنبلة موقوتة ينفجر في أي وقت ويصبح عدوانيا شرسا ويشكل تشكيلا إجراميا".
ويؤكد مطارنة أن طرفي المنحنى خطيران على شخصية الطفل (الأسرة والمدرسة)، فعلى الأسرة في التنشئة أن تعتمد على الهدوء والحوار، وأن تعلم أن الصراخ ليس وسيلة للحل والعلاج، موضحا أن الطفل حالة يجب النظر إليها بعناية والتعامل معها بدقة، وبناء منظومة تربوية صحيحة حتى ينشأ تنشئة صحيحة وبناء شخصية متوازنة قادرة على الحياة وتحقيق السعادة.
ويرى أن الصراخ وسيلة سلوكية مؤذية وقاتلة للطفل، فالصراخ عليه في الروضة أو المدرسة يولد لديه عقدة، تنعكس على تحصيله الدراسي، وقد يصبح لديه فشل تعليمي أحيانا، مبينا أنه لذا لا بد من الأهل والمربين تجنب وسيلة الصراخ في التعامل مع الأطفال.
وتشارك مطارنة الرأي الخبيرة التربوية ومدربة الدماغ، د. خولة يوسف حسنين، بقولها: "يستخدم بعض الآباء والمربين الصراخ كأسلوب في التعامل مع الطفل عندما يخطئ، وأحياناً يكون الصراخ أسلوب تعامل شائعا عند طلب تنفيذ أي أمر، مثلا عند إيقاظه من النوم أو الطلب منه التوقف عن اللعب أو مشاهدة التلفاز أو إحضار شيء أو في أثناء القيام بتدريسه، وغير ذلك من المواقف الحياتية الاعتيادية؛ ويظن الكثير من المربين أن هذا الأسلوب ناجح وفعال في التربية".
وبينت أنّ الصراخ من أسوأ أساليب التعامل والتربية لما له من آثار وانعكاسات سلبية جداً على الطفل من ناحية نفسية، بحيث يكون في حالة توتر وخوف دائم، ويقل شعوره بالأمان والاستقرار النفسي، وقد يؤثر ذلك على الحالة النفسية لجميع أفراد الأسرة لما يثيره من توتر وكآبة وقلق، كما قد يصبح الابن عصبياً وجباناً وعنيداً وعدوانياً وسريع الانفعال ويستخدم ألفاظاً غير لائقة، وقد يصاب بالكوابيس أو التبول اللاإرادي، وتقل ثقته بنفسه، وتضعف مهاراته في التواصل مع الآخرين والحديث معهم.
وتضيف حسنين "قد يكرر الطفل الأخطاء مرات عديدة، ويمكن أن ينعكس ذلك على تحصيله الدراسي فيصبح قليل التركيز والانتباه، وقد يدوم أثر الصراخ على الطفل طوال حياته حتى عندما يصبح راشداً فيكون ضعيف الشخصية منعزلاً مترددا في التعامل مع من حوله لشعوره بأنه غير مقبول، وأنه مخطئ وعاجز عن التصرف بطريقة صحيحة، وقد يستخدم أسلوب الصراخ هو أيضاً مع من حوله نتيجة التقليد ويصبح أسلوب حياة".
إن استخدام الصراخ كعقاب هو أسلوب غير تربوي، بحسب حسنين، وقد يدل على ضعف الشخصية والعجز عن التحكم في الانفعالات وافتقاد معرفة أساليب التربية الصحيحة، وقد يستخدم بعض المربين الصراخ نتيجة ما يتعرضون له من ضغوط حياتية مختلفة شديدة في بعض الأحيان، وذلك كمبرر لاستخدام العنف لتفريغ التوتر والضغط على الأبناء.
وتقول "نحن نعلم أن معظم ما يقوم به الآباء من أعمال الحياة هو من أجل الأبناء وبهدف تربيتهم تربية سليمة، فلا يجب أن تقتصر على توفير الأمور المادية كالطعام واللباس بل تتعداها إلى بناء الشخصية السوية في الجوانب كافة".
لذا ينبغي التعود على الحديث وتبادل الحوار مع الابن بصوت هادئ، كما تقول، وتوجيه عبارات إيجابية محفزة، والحرص على التحلي بالصبر والهدوء، والتربية بالحب والاحترام والاهتمام.

التعليق