جمانة غنيمات

أنواع المسؤولين في الأردن

تم نشره في الخميس 14 أيلول / سبتمبر 2017. 12:10 صباحاً

شكوى طالما سمعناها من مسؤولين، وتحديدا وزراء تركوا القطاع الخاص وغادروه لينضموا للحكومات، بقولهم "ما لنا وهذا الصداع!"، وتراهم يلومون أنفسهم على خسائر مالية ورواتب عالية تخلوا عنها، وراحة بال رحلت عنهم.
هذا النوع من التذمر مسألة اعتدنا عليها، حتى غدا الأمر كأن بعض هؤلاء يحمّلون الناس والدولة جميلا علينا أن نشكرهم عليه كل طالع يوم، وأن نقدّر "التضحيات" التي قدموها حين قبلوا أن يصبحوا وزراء ومسؤولين.
المشكلة أن أيا من هؤلاء لم يأتِ بعلم نافع، ولم يخترع العجلة، فبعضهم جاء ورحل من دون أن يحدث أي فرق في وزارته أو مؤسسته، بل على العكس تماما، تجد بعضهم فاقم المشاكل ورحل، ولم يترك خلفه إلا أزمات أكبر، فيما "فاز" بلقب "صاحب معالي" الذي يحمله معه حتى آخر العمر.
في الشق الآخر من المعادلة، ثمة ظاهرة اتسع مداها مؤخرا، وهي أن تجد بعض المسؤولين، الأبناء التقليديين للبيروقراطية، يهجرون مواقعهم بعد أن تحصّل على جميع الامتيازات، فنرى المسؤول يرحل إلى القطاع الخاص، بعدما تأهل لذلك بنفوذه الذي منحه إياه العمل في الموقع العام. وبالارتحال إلى القطاع الخاص، يجد الراتب الأعلى، فما حاجته للعمل الحكومي بعد أن أصبح مثقلا بالألقاب التي تمنحه " بريستيجا" يشبع غروره ويرضي نهمه في مجتمع ما يزال يقدس الألقاب، ويقدم أهلها على من سواهم.
على كل حال ثمة عيب كبير في طرفي المعادلة، سواء أولئك الذين يهجرون القطاع الخاص إلى العام أو العكس، فكلاهما لا يدرك بعد قدسية العمل في خدمة الشعب في المواقع العامة، ولم يصلهم بعد التعريف الحقيقي لهذا العمل، وكم يحمل بين ثناياه من مسؤوليات كبيرة تزيد كلما تعقد المشهد وضاق الحال.
أما النوع الثالث من المسؤولين، فهم ممن حملتهم المعارضة، وجاءت بهم إلى الموقع العام، سواء من خلفية إسلامية أو يسارية أو من معارضة تحب أن تسمي نفسها بالوطنية. بعضهم خرج من تحت قبة البرلمان، وآخرون جاءت بهم "دكاكين" الأحزاب. هذا النوع ربما يكون الأكثر خذلانا للناس والبلد، لأنهم تخلوا عن دورهم في خدمة المجتمع، وفي تطبيق ما نظّروا له على مدى سنوات طويلة وربما عقود!
النوع الرابع، فهم وزراء يؤمنون أن دورهم خدمة المجتمع والحفاظ على ماله وحقوقه، وأن من واجباتهم العمل بجدية لمعالجة الاختلالات، وإحداث فرق في القطاعات التي يديرونها، كما يدركون أن دورهم سياسي وليس فنيا فقط، لذلك تجدهم يقتربون من الناس، ويساعدون الأردن على المضي بثبات نحو المستقبل وفي مواجهة الأزمات والتحديات، بيد أنهم قلة، ويضيع تأثيرهم وسط الغالبية من المسؤولين الذين يتنصلون من مهامهم ويفتقرون لأدوات الاشتباك مع المجتمع.
أخطر أنواع هؤلاء المسؤولين من يظن أنه أكثر فهما من المجتمع، وأنه يتوجب على المجتمع أن يخدمه ويرفعه، وليس العكس. هؤلاء، ومن حيث لا يدركون، يحطّمون المؤسسات ويكسرون صورتها في أذهان الأردنيين.
أمام هذا الواقع نكتشف إحدى أدوات الضعف التي ساقت إلى تعميق فجوة الثقة بين المؤسسات والمجتمع، فهؤلاء بصراحة كانوا سببا رئيسا في الاختلالات الكبيرة التي هزت صورة المسؤول لدى الناس.
استعادة الثقة بالمؤسسات لا تحتاج إلى دولة قانون فحسب، أو مجتمع يحترم القانون فحسب، وخطط ووعود قابلة للتنفيذ، بل تحتاج، أيضا، إلى نوع جديد من المسؤولين يدركون دورهم، ويحترمون المجتمع وعقله، وتكون لديهم إرادة العمل وخدمة المجتمع، وأيضا تطبيق القانون على الجميع بعدالة.
هذا النوع من الوزراء والمسؤولين هو ما نحتاجه، تزداد أهميتهم في الاشتباك مع الشارع وهمومه، مع توفر المقدرة لديهم على شرح وجهة نظر الدولة، بدلا من الاختباء تحت المكاتب وخلف الكراسي والألقاب.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التجيير من القطاع الخاص للعام (خالد المصري)

    الجمعة 15 أيلول / سبتمبر 2017.
    ارى أن مصادر اختيار الوزراء او المسئولين المشار إليها في مقالة الكاتبة جمانة غنيمات قد تكون غنية بالكفاءات القادرة على احداث فرق في المؤسسات التي تقودها ، لكن ما نراه غالباً هو سوء في اختيار الكفاءة المطلوبة لمنصب معين ، حيث أن الاختيار في الغالب يعتمد على العلاقة الشخصية واسباب معينة لدى الجهة التي رشحت شخصية ما لمنصب ما ، وهنا دعنا نتساءل الا يوجد لدينا بنك او مركز معلومات للكفاءات الوطنية القادرة على احداث الفرق وراغبة في العمل العام وليس لديها نظرة التعالي على كوادر وأساليب عمل الجهات الحكومية.
    نلاحظ الاختلاف في كفاءة الشخصيات القادمة من القطاع الخاص للمواقع الحكومية ونتمنى من اي جهة حكومية أو مؤسسة مجتمع مدني عقد مؤتمر لبحث اسباب نجاح او فشل هؤلاء في العمل العام، كذلك اقتراح معايير لاختيار الافضل من القطاع الخاص او من الجهات الحزبية او ابناء القطاع العام انفسهم .
  • »نوع إضافي (حسن حمامي)

    الخميس 14 أيلول / سبتمبر 2017.
    لعل نوع اخر من الوزراء لم يرد في المقال هم تلك الفئة من موظفي الدولة من اصحاب الواسطة الوازنة الذين يعينوا وزراء في نهاية خدمتهم الوظيفية فقط لتحسين راتبهم التقاعدي.
  • »مقال نموذجي (انور محمد الضمور)

    الخميس 14 أيلول / سبتمبر 2017.
    شكرا استاذه جمانه فهذا المقال جعلنا نبتسم ومنذ زمن فقدنا الابتسامه والله الموفق