غنيم تستنبت الموسيقى في مجموعتها "أقطع وتراً لأزرع كمنجة"

تم نشره في الأربعاء 13 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً
  • غلاف كتاب "أقطع وترا لأزرع كمنجة" - (الغد)

عمّان - الغد - لا يحدث ذلك إلا لشاعر يعشق الموسيقى، حد العطش، فيسمح لها بالمرور عبر شرايينه كالأكسجين، لترتوي بها كل خلية في جسده عندما يمر الشاعر.
هذا ما حدث للشاعرة الشابة باسمة غنيم في مجموعتها الصادرة مؤخراً عن الآن ناشرون وموزعون في عمّان، بعنوان "أقطع وترا لأزرع كمنجة"، فهي تستنبت الموسيقى، من شجرة الموسيقى ذاتها، كما تستنبت الأشجار بالفسائل.
تنفي الكاتبة عن نفسها عملية اقتراف الشعر، لكنها في قصيدة "شاعرة"  تعتبر نفسها مفتاح وطن منسيّ، في قلب أبيها لا يضيع. وأنها أرقٌ يقبعُ في عمقِ الكلمات. وهي نَمِرة تخمشُ عُمرَ الوقت، وتختال في براري الذاكرة، لِتَخْضَرَّ بمن تحب. وأنها صهيلٌ يعلو فوقَ الغمام، ليهطلَ إليّها ما ضاعَ منها. وهي بذلك تود أن تؤكد على خصوصية كتابتها، مهتمة قبل كل شيء بإيصال ما تقوله إلى عقل ووجدان القارئ.
تبرز عواطف الشاعرة بشكل جلي في مقطوعة "سقاية الروح" التي تبث من خلالها وجعها لفقد أمها، التي تعتبرها أقحواناً نما على فطرة الدين، ذلك الأقحوان المشرق هو الذي ينقي روحها، ويريحها من كل التعب، ومع غيابها أصبح الطريق للأحزان مفتوحا، وأصبح كل شيء قادر على جرح قلبها، وينبت لحزنها شوك، لا يتوقف عن جرحها بوخزاته المؤلمة. ولم يعد هناك مجال للخلاص من تلك الآلام إلا بالتقائها مع أمها الراحلة.
تقول في قصيدتها: "لا أرجم بالغيب/ لا أكفر بالله/ لا أتشهّد ولا أتَرَحّم كثيراً/ ولكنَّ أُقحوانَك/ الذي ينمو على شرائع الدين/ ي‍ُنَقّيني،/ يُذيب عرائش التعب عني/ أُمّاه/ عندما غبتِ/ أصبحَ انكسار الضوء/ في القلبِ سريعاً/ ألوك الصمت/ وتجرحني أشواك حزني/ وباتت سقاية الروح/ منكِ شفاءً لا يزول/ أنتِ دوناً عن الأمومةِ/ كنتِ طفلتي../ وزهر عينيكِ يسقيني/ فلماذا هكذا،/ انطفأتُ أنا لقدرك الجليل/ وبلغَ بي التوقُ،/ لملاقاة وجهكِ الكريم أقساه؟!!".
تضم المجموعة أكثر من مائة نص متفاوتة الحجم، حرصت الكاتبة أن تضع لكل نص عنواناً، جميعها تقريباً مفردات في صيغة المبني للمجهول، وهي غالبا مفاتيح للنص تحتها.
وتقول في مقطع بعنوان "إرادة": دافِعْ عن حقِّكَ حتى لو وقفتْ في وجهكَ/ أمواجُ سدودٍ وجِبالْ./ أنت الإرادةُ إن شئتَ/ وإلّا/ ستجري من تحت قدميك الرمالْ".
نصوص المجموعة تتمحور حول الذات وعلاقتها بالآخر، والآخر هو الرجل الحبيب بتقلباته المتعددة. النصوص مكثفة التعبير، زاخرة بالصور الفنية  الحية، وبالتناصات الأدبية: "قد كتبتُ قصيدتي، يا سيدي/ وأنتَ راحلٌ عني/ !نبذتُ حروفي التائبات/ عمَّن سواكَ/ فما كانَ لها سوى السؤال (من قصيدة "هجر)".
وفي قصيدة "زيت وزيتون"، كتبت تقول: "أنا اللا شيء/ قد كنتهُ/ أنا العثرات ترجمني/ أنا الهباء المنثور/ أنا الشجرة بلا ثَمرٍ/ أنا ما قَدّمَتهُ/ وعَمَلتهُ يداي/ فكنتُ ملحاً يتآكلني/ وكنتِ زيتاً وزيتونا".
وفي قصيدة "هزيمة": لا جناحَ لي لِيُكسر/ فالجرحُ أبيضُ/ وهزيمةُ النبضِ واردةٌ!/ حرِّرني من هذا الرثاء/ فالحياة لصّة كبيرة/ وشهقةُ غيابِك/ موجعةٌ".
نصوص الشاعرة تزخر كذلك بالتناصات مع التراث، والقرآن الكريم: "أعوذ من حديث بيننا، فحواه هجرٌ ونوى، ومن شيطان لئيم ينكر أن القبل حلال كما الصائم إذا ارتوى" تناص مع المعوذات في القرآن الكريم، و"أغنني عمن سواك، وكُن لي فراتا ونيلا..." وهو تناص مع دعاء علي بن أبي طالب: "اللهم اكفني بحلالك عن حرامك واغنني بفضلك عمن سواك"، وغيره مما تزخر به المجموعة، ويدل على سعة اطلاع  الشاعرة.
يذكر أن باسمة غنيم من مواليد عمّان، حاصلة على شهادة دبلوم في التعليم الأساسي، عملت مدرّسة للمرحلة الأساسية، اهتمت منذ طفولتها بقراءة الشعر وكتابته. نشرت العديد من نصوصها الشعرية في مجلة "أفكار" وجريدة "الرأي"، وفي عدد من المواقع الثقافية الإلكترونية، وتعتبر مجموعتها "أقطع وترا لأزرع كمنجة" إصدارها الأول.

التعليق