وقف التدفق: خطة المهاجرين الأوروبية مجرد وهم

تم نشره في الجمعة 15 أيلول / سبتمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • قارب مهاجرين ينقلب في البحر المتوسط بين ليبيا وجنوب أوروبا - (أرشيفية)

ميركو كيلبيرث، وبيتر مولر، وماكسيميليان بوب - (دير شبيغل) 6/9/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

تنخفض نبرة صوت جوناثان أوبوت إلى الهمس عندما يتطرق إلى وصف ما تبدو عليه الحياة في سجن في غرابولي في ليبيا. وهو يعيش في زنزانة مع 60 آخرين، محشوراً فيها مثل حيوان، كما يقول في لحظة حين يغفل حراس السجن عنه. ويقول إنه ينام على الأرض وُيضرب من سجانيه وغالباً ما يكون جائعاً.
قبل وقت ليس بالطويل، كان أوبوت، النيجيري النحيل البالغ من العمر 23 عاماً ذو الوجه الشاب -وإنما العينان المتعبتان- يعمل مع أخيه في موقع إنشاءات في طرابلس على أمل جمع ما يكفي من المال ليواصل رحلته إلى أوروبا. ولكن، قبل نصف عام، جره رجال يضعون أقنعة على وجوههم من شقته وساقوه إلى غرابولي بالقرب من طرابلس، ونقطة انطلاق لقوارب اللجوء المتوجهة إلى إيطاليا.
والآن، يجلس أوبوت في ساحة السجن حيث يسمح له بتحريك ساقيه لمدة ساعة يومياً. ثم يعود إلى زنزانته التي تنبعث منها رائحة البراز والبول -وحيث المعتقلون جد يائسين بحيث تندلع بينهم المشاجرات.
تتفق رواية أوبوت مع المعلومات التي جمعها ناشطو حقوق الإنسان ودبلوماسيون. وكانت منظمة "أوكسفام" للإغاثة قد انتقدت ليبيا بسبب سجنها المهاجرين في سجون أو معسكرات حيث يتعرضون للتعذيب والاغتصاب. وفي كانون الثاني (يناير)، شبهت وزارة الخارجية الألمانية مراكز الاعتقال الليبية بمراكز التجميع النازية. ويشبه تقرير داخلي للاتحاد الأوروبي عن معسكر في طرابلس وصفاً لتجارة الرقيق المعاصرة. ويدعي التقرير بأن النزلاء، ومعظمهم أفارقة، "يباعون ويشترون بين المعسكرات" في بعض الأحيان.
على الرغم من ذلك، يبذل الاتحاد الأوروبي كل ما في وسعه لمنع المهاجرين من عبور البحر من ليبيا، لينتهي بهم المطاف في هذه السجون الليبية. وبعد عامين من العبارة المشهورة للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل "نستطيع أن نفعلها"، تغلق أوروبا الأبواب على نفسها مرة أخرى. ولو نفذ قادة أوروبا رؤيتهم، فمن الممكن أن تبدو إفريقيا مثل البلقان، قارة تعج بالأسيجة والحواجز المصممة لمنع المهاجرين من مواصلة رحلاتهم إلى الشمال.
مستحيل فعلياً
في قمة اللجوء التي عقدت في باريس مؤخراً، أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، مفهوماً قديماً تتم بموجبه مراجعة طلبات الحماية من دول إفريقية مثل النيجر وتشاد. وكان رئيس الوزراء البريطاني توني بلير قد فشل في إقرار اقتراح مماثل في العام 2003، كما فشل وزير الداخلية الألماني السابق أوتو شكيلي.
مع ذلك، يبدو المفهوم من النظرة الأولى معقولاً. فإذا قدم اللاجئون طلبات لجوء في إفريقيا، فلن يعودوا مجبرين على المخاطرة بأرواحهم في محاولة الوصول إلى أوروبا. كما أنهم لن يعودوا يسافرون في مراكب مكتظة يديرها مهربون، فضلاً عن أن المطاف لن ينتهي بهم في معسكرات الاعتقال الليبية.
لكن الخطة تبدو من الناحية العملية عصية على التنفيذ. مَن هو الذي سينشئ ويدير مراكز الاستقبال والاختيار خارج الاتحاد الأوروبي؟ والبلدان الفقيرة مثل النيجر وتشاد تفتقر إلى الموارد، كما هو حال وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة المثقلة بالأعباء. وهذا يعني إرسال مسؤولين أوروبيين إلى إفريقيا.
ولكن، لا تستطيع أوروبا حتى معالجة طلبات اللجوء في اليونان وإيطاليا. وكجزء من اتفاقيتها للجوء مع تركيا، تعهدت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بمراجعة طلبات اللجوء خلال أيام. وستتم إعادة أولئك الذين رفضت طلباتهم إلى تركيا في الحال، بينما سيتم توزيع كل الآخرين في أنحاء أوروبا. لكن ثمة العديد من السوريين والأفغان والباكستانيين الذين علقوا في الجزر اليونانية في السنة ونصف السنة الماضيين بسبب التأخير في معالجة طلباتهم.
ليس هناك ما يوحي بأن هذه العملية سوف تكون أسهل في إفريقيا. ومن المرجح أن تتضخم الأعداد أكثر، وسيجد الآلاف من الساعين للحصول على اللجوء أنفسهم وقد علقوا في الصحراء بانتظار معالجة طلباتهم. لكن، حتى لو استطاع الأروبيون بمعجزة تأسيس إجراءات قانونية في إفريقيا، فإن ما سيحدث بعد ذلك ما يزال مجهولاً.
سوف يسمح للساعين إلى اللجوء الذين تمت الموافقة على طلباتهم بالسفر إلى أوروبا. لكن بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ترفض أصلاً قبول المزيد من اللاجئين. وفي العام الماضي، غادرت مجموعة صغيرة وحسب من أصل 160.000 مهاجر كان من المقرر توزيعهم بين البلدان الأوروبية اليونان وإيطاليا فعلياً. كما تجمدت مفاوضات خاصة بآلية التوزيع الدائم.
لا شيء أكثر من سراب
في الأسبوع الماضي، ناشد ديميترس إيفراموبولس، مفوض الاتحاد الأوروبي للهجرة وشؤون الوطن والجنسية، الدول الأعضاء زيادة جهودها لإعادة توطين اللاجئين والمهاجرين من مصر وليبيا والنيجر وأثيوبيا والسودان. وكتب في رسالة وجهها إلى وزير الداخلية الألماني، ثوماس دي ميزير، إن على أوروبا "التزام قانوني وأخلاقي بتوفير الحماية لأولئك الذين يحتاجونها فعلاً".
تظل أوضاع إلى اللجوء الذين رفضت طلباتهم أكثر تعقيداً. ويحق لكل مقدم طلب الطعن في القرار أمام المحكمة. ولكن، في أي محكمة في تشاد سوف يقدم الساعون للجوء استئنافهم؟
وبالإضافة إلى ذلك، ليس معظم الناس الذين يسافرون حالياً عن طريق البحر الأبيض المتوسط لاجئي حرب أهلية، وإنما شباب من نيجيريا وغويانا أو بنغلاديش يبحثون عن عمل. وتبقى فرصهم في الحصول على لجوء ضئيلة، لكنهم سيستمرون مع ذلك في محاولاتهم للوصول إلى أوروبا على الأرجح عن طريق البحر.
بعبارات أخرى، لا تعدو خطة أوروبا التي تبدو جذابة كونها مجرد سراب. وفي السباق إلى الانتخابات البرلمانية الألمانية يوم 24 أيلول (سبتمبر) الحالي، تريد ميركل خلق الانطباع بأنها تسيطر على أزمة اللجوء. ويريد ماكرون تصوير نفسه على أنه منقذ أوروبا. لكن الحقيقة تقول إن أوروبا قررت أصلاً إقفال الأبواب على نفسها. وتغذ إيطاليا الخطى في خطتها لإغلاق طريق البحر الأبيض المتوسط، بينما تقفل النمسا ممر برينر. وتعد ميركل المستفيد الرئيسي من هذه الأعمال، لأنها تمكنها من أن تظل مستشارة اللجوء، حتى مع إقفال الحدود في الجنوب.
كانت الاتفاقية مع تركيا قد ضمنت أن تستطيع قلة من الناس وحسب عبور بحر إيجة نحو أوروبا، حتى أولئك الذين يوجدون عادة عالقين في اليونان. والآن، تحاول ميركل خلق مشروع مشابه في إفريقيا عن طريق نقل حدود أوروبا الخارجية أساساً إلى شمال إفريقيا. ومع ذلك، يمكن أن يثبت التعاون مع البلدان الإفريقية أنه أكثر صعوبة من التعاون مع تركيا في نهاية المطاف.
في ليبيا، يجب على أوروبا التعامل مع حكومتين متخاصمتين وعدد لا يعد ولا يحصى من المليشيات. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن الاتحاد الأوروبي يدعم حكومة الوحدة الوطنية الضعيفة التي يترأسها رئيس الوزراء فايز السراج عبر إرسال ملايين اليوروهات إليها حتى تقوم بوقف تدفق المهاجرين ومنعهم من عبور البحر الأبيض المتوسط، بينما تضمن السفن الحربية الإيطالية إجبار حرس السواحل الليبي القوارب على العودة إلى اليابسة. وقد تم إجبار معظم منظمات الإغاثة الخاصة على التخلي عن جهودها لإنقاذ اللاجئين، كما يجدر التنويه.
خطة غير حكيمة استراتيجياً
تدعم إيطاليا أيضاً اتفاقية بين حكومة الوحدة الوطنية الليبية وبين مجموعتي مليشيا ليبيتين، الكتيبة 48 والأمة. وحتى وقت قريب، كانت المجموعتان تسيطران على تجارة تهريب المهاجرين من غربي ليبيا إلى أوروبا، لكنهما أصبحتا تتلقيان أموالاً الآن لمنع القوارب من الإبحار.
وبتبنيها هذه الإجراءات، تضع أوروبا حماية حدودها الخارجية في أيدي مجرمين -في خطوة تعد من الناحية الأخلاقية مثار تساؤل، ومن الناحية الاستراتيجية خطوة غير حكيمة لأنها تجعل أوروبا عرضة للابتزاز. وفوق كل شيء، من المرجح أن تصبح الحالة الإنسانية التي يجد فيها هؤلاء المهاجرون أنفسهم حتى أكثر يأساً. وتفتقر الغالبية العظمى من أولئك الذين يصلون إلى ليبيا إلى المال اللازم لرحلة العودة. ثم، ما الذي سيحدث مع الناس الذين يوجدون في المعسكرات؟
مع ذلك، ربما تكون هذه الاستراتيجية ناجحة إذا نظر إليها المرء من منظور الأعداد. فبعد وصولها إلى أرقام عالية في حزيران (يونيو) الماضي، تراجع عدد حالات العبور الآن، حيث شهد شهر آب (أغسطس) الماضي نسبة 87 في المائة أقل من المهاجرين الذين يصلون إلى أوروبا مقارنة مع الشهر نفسه من العام الماضي. ونتيجة لذلك، تراجع عدد الغرقى أيضاً.
لكن من المرجح أن يكون هذا التراجع في الأعداد مؤقتاً. فعندما يتم إغلاق طريق، سرعان ما يعثر المهاجرون على طريق جديد. وقد أصبحت عمليات العبور من المغرب إلى أسبانيا حالياً في ازدياد مثلاً. وفي داخل ليبيا، من الممكن أن تنتقل عمليات تهريب المهاجرين إلى الجزء الشرقي من البلد، والذي لا يخضع لسيطرة حكومة السراج.
يخشى خبراء الأمن أيضاً من إمكانية استخدام المليشيات الأموال التي تتلقاها من أوروبا لقتال حكومة السراج. وعندها ستكون أوروبا قد صبت وقوداً على نار الحرب الأهلية الليبية، حيث ستنتعش مرة أخرى صناعة تهريب المهاجرين في ظل الغياب الناشئ لسيطرة الحكومة.
إدراكاً منهما لهذا الاحتمال، تسعى إيطاليا وألمانيا إلى قطع طريق المهاجرين المفضي إلى البحر الأبيض المتوسط عبر تأسيس بعثة لحماية حدود أوروبا الغربية على الحدود الليبية الجنوبية.
وكانت المفوضية الأوروبية قد أقرت تخصيص مبلغ 46 مليون يورو (55 مليون دولار) للبرنامج في أواخر تموز (يوليو) الماضي، بينما قدمت وزيرة الدفاع الألمانية، أورسولا فون دير ليفين، مؤخراً للجيش والشرطة في النيجر 100 شاحنة و115 دراجة نارية و55 هاتفاً للاتصال عبر الأقمار الاصطناعية.

"غير منسجم مع وعودنا السياسية"
يبلغ طول الحدود بين ليبيا والنيجر 340 كيلومتراً (211 ميلاً)، ويمر من خلال الصحراء الكبرى، ومن المستحيل تقريباً تسيير دوريات فيه. وتبلغ حدود ليبيا الجنوبية مع تشاد ثلاثة أضعاف ذلك الرقم. ويبدو من غير المرجح أن يتمكن عدد قليل من حرس الحدود من الاتحاد الأوروبي إحداث فارق كبير.
في الختام، يمكن وقف الهجرة إذا تحسنت الأحوال في بلدان المهاجرين الأصلية بشكل كبير. ولكن، حتى الآن تسعى حفنة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى إقناع المجلس الأوروبي بخفض مساعدات التنمية في موازنة العام 2018 بواقع 90 مليون يورو. وفي رسالة إلى الرئيس الحالي الاستوني للمجلس، مانفرد فيبر، كتب المتحدث بلسان حزب الشعب الأوروبي من وسط اليمين في البرلمان الأوروبي، قائلاً إنه "دهش" من الاقتراح. وحاجج بأنه بدلاً من ذلك، يجب على أوروبا "مواجهة أسباب أزمة الهجرة"، وأن خفض نفقات المساعدة "غير منسجم مع وعودنا السياسية".
من جهتهم، يتفق معظم الخبراء على أن حاجة أوروبا تمس إلى وضع سياسة جديدة للهجرة. ولدى المستشار السياسي جيرالد كناوس الذي كان قد ساعد في صياغة الصفقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي شكوك حول ما إذا كان النموذج نفسه ينطبق على شمال إفريقيا. ويقول إن على الاتحاد الأوروبي بدلاً من ذلك أن يطبق إجراءات لجوء في إيطاليا تستغرق أسابيع قليلة وحسب، بالإضافة إلى التوقيع على اتفاقيات مع بلدان المنشأ بحيث تتم إعادة غير المؤهلين للجوء إلى وطنهم على جناح السرعة.
وفي خط موازٍ، يجب على الاتحاد الأوروبي تأسيس طرق قانونية لوصول اللاجئين والمهاجرين إلى أوروبا، كما يقول كناوس. وهو يرى أنها قد تستطيع دعم برامج إعادة التوطين من جانب وكالة اللجوء التابعة للأمم المتحدة، وإصدار التأشيرات وتسهيل لم شمل العائلات. وسوف تلقى هذه السياسة المعقولة الترحيب.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Stemming the Flow: Why Europe’s Migrant Strategy Is an Illusion

التعليق