د.أحمد جميل عزم

يعيشون فلسطين في سن التقاعد

تم نشره في الخميس 14 أيلول / سبتمبر 2017. 11:04 مـساءً

عرفتُ مازن قُمْصِيّة، أستاذ الأحياء في جامعة بيت لحم، الناشط بطاقة مدهشة، في تخصصه وفي الدعوة لفلسطين، عندما توليتُ إدارة برنامج الطلاب الدوليين في بيرزيت، الآتين لتعلم العربية وتاريخ وحاضر العرب وفلسطين.
جلستُ في حفل لاستقبال هؤلاء الطلبة. وجلست بجانبي سيدة أميركية عرفت منها أنها في السبعين من عمرها، وجاءت لتدرس العربية. وسرعان ما اندمجت السيدة في المجتمع المحيط، وانتقلت لتعيش في قرية قريبة، وبعد انتهاء أشهر دراستها الأولى، أعلنت بالعربية "أنا فلاّحة بنت فلاح"، لتخبرني أنّه يصعب جداً أن تترك فلسطين.
جاءني صديق، أيضاً يتجاوز السبعين، سويسري أميركي، عرفتُ منه كيف أحب فلسطين، بعد أن لفتت نظره إليها حرب غزة 2008، وبدأ يقرأ عنها كثيراً، وهو الحاصل على الدكتوراه في المياه من جامعة كيمبردج. وعندما علمت تلك الطالبة الفلاحة الجديدة، أني سأصحب صديقي إلى بيت لحم، قالت إنّها ستذهب للقاء مازن قمصية، فرافقتنا. وفي مختبر مازن تعرفتُ إلى شبان أحدهم يريد توثيق كل الحشرات التي تعيش في فلسطين، وآخر يعمل على النباتات البرية، ومازن ماضٍ في مشروع متحف فلسطين للتاريخ الطبيعي.
قبل أيام جاءني كما غيري، بريد مازن الالكتروني، وهذه المرة ينعى صديقه، محمد عبدالقوي (الذي يعرفه أصدقاء فلسطينيون باسم، كافي)، Mohammad Abdul Qavi. والعبارة الأساسية، أنّ محمد سيدفن في فلسطين كما أحب وأراد دائماً. وتشبه قصته، قصة الأصدقاء الآخرين الذين اكتشفوا فلسطين في سن التقاعد، ولكن مع لمسته الخاصة، بالطبع.
ولد في دلهي، عام 1936، وفي عام 1948، انقسمت الهند، ونشأت باكستان، فانتقل مع عائلته المسلمة هناك، وظل يعتبر هذا الحدث "عام النكبة" الخاصة به. أقبل على الحياة، ولكنها لم تقبل عليه. فكان الفقر سبباً في منعه من التعليم العالي، وتزوج وأنجب طفلا، ليرحل عام 1973، إلى الشارقة في الإمارات، ليؤسس عملا في الديكور الداخلي والمفروشات، ويحصل على جوائز وكؤوس في لعبة "البردج"، ويعيش هواية لعبة الكريكت، ويحصل على عقد لإعداد مركز التجارة العالمي في دبي، عام 1979، ولينتقل عام 1983 إلى لندن، ويعمل في تجارة أثاث خشب الصنوبر، حتى تقاعده. وفي تقاعده، يجد وقتاً أكبر للقراءة، والمسرح، والفن، والثقافة، ويتعمق اهتمامه بالسلام في العالم. ينشط في بلده باكستان لتعليم الفقراء، يغضب بسبب حرب أفغانستان 2001، ويحتج على بريطانيا بسبب حرب العراق، 2003، وتبدأ علاقته مع فلسطين بالنمو، فيزورها، وتقع واقعةُ الحُب معها.
يخصص وقته لها، يقضي الثلاثة أشهر التي تسمح له بها التأشيرة الإسرائيلية، ويعود إلى لندن، ليحصل على تأشيرة جديدة. يبدأ بحمل كرسيه الذي عرفه أصدقاؤه وهو يحمله في لندن أثناء الاحتجاجات، ويكتب عباراته المشهورة، "لا تقتلوا الأمل"، و"اجعلوا العالم أفضل"، ويجلس على بوابات المستوطنات، ويواجه الإسرائيليين، وكما يكتب أسامة العيسة، عام 2015، تعجبه قصيدة توفيق زيّاد،
كأننا عشرون مستحيل
في اللد، والرملة، والجليل
هنا .. على صدوركم، باقون كالجدار
وفي حلوقكم
كقطعة الزجاج، كالصبار
وفي عيونكم
زوبعة من نار
يكلّف عاملين في الخزف الخليلي، ليخطّوها عليه، ويوزعها، وتجده في ساحة كنيسة المهد يحدّث فتاة غربية عن معنى القصيدة. يُهديها للمؤسسات لتعلّقها على جدرانها. ويكتشف الروائي العيسة، صاحب رواية مجانين بيت لحم، شغف عبدالقوي بالورق والطباعة، وتفحصه للورق في مكتبات فلسطين، وأسفه أن الناشرين العرب لا يستخدمون الورق الذي يليق بالكتب، التي يعرفها من خلال ترجماتها بالإنجليزية. هل أحب الورق استمراراً لعمله في الشجر وتحويله لمفروشات؟ 
اضطرت السيدة الأميركية، الفلاحة الجديدة، للعودة لبلدها ولمطعمها الفاخر لتحافظ عليه لأبنائها، ولكنها أنجزت كتاباً في الطبخ الفلسطيني، وما تزال تتواصل مع طلبة المدارس في القرى، الذين تطوعت لتعليمهم الإنجليزية، وعلموها العربية والقرآن. وصديقي السويسري الذي قال لي وهو يرى الصمود والمكان، في قرية الولجة، "قلبي الكهل لا يحتمل هذا الجمال"، ناشط في حملات المقاطعة. 
اكتشافهم لفلسطين في سن التقاعد، يوازيه اكتشاف كثير من الشباب لها في عمر مبكر. ولكن الشباب يحلمون أكثر بالعدل والصمود، والمتقاعدون يجدونها من عبق التاريخ، وجوهر الإنسان الذي يحاولون فهمه، عندما يتعمقون بالقراءة عن الماضي، والإنسان، والروح. 

التعليق