أمرٌ مفهومٌ تماماً

تم نشره في السبت 16 أيلول / سبتمبر 2017. 12:00 صباحاً

“جميع الخطوط في الاتجاه المطلوب مشغولة. يرجى الاتصال في ما بعد” !
..وهذا مفهومٌ تماماً، في ليلة عيد !
وكذا كل الطاولات في “مقهانا” مشغولة ببشر كثيرين هانئي البال، وجوههم طافحة بالعافية، والطريق إلى بيتك مكتظ بسيارات كثيرةٍ وشعراءٍ وبمواعيدٍ واحتفالاتٍ .. وحيوانٍ بيتي مدلل تصيبه الحساسية من الخادمات الغبيات ومن أكل السمك!
وأنا جالسٌ أمضغ سجائري، وخيباتي الكثيرات في هذه السنة: الطريق الى بيتك مفخَّخٌ بقصائد ركيكة كتبها معجبون سريعون، بعد عناقات عابرة، و.. باحتمالات كثيرة مرعبة تجعلني أتلفَّتُ للخلف باستمرار؛ مثل أن نتورط في “سعادة بالغة” ولا يعود هناك ما يدعو للخوف أو للسهر!
أحاول أن أدرّب قلبي على الوحدة، وأن هذا البحر -الذي هنا- ليس هنا. أو أن هذا البحر لم يحدث فعلاً!
قلت لك مرة: إن الحب لا يخضع لضمانات أو ورقة كفالة، كتلك التي نحصل عليها حين نشتري غسالة أو فرن غاز، بل حتى هذه الأجهزة، حين تراجعين ورقة الكفالة التي معها ستجدين شرطاً صارماً: “هذه الكفالة لا تشمل الكسر أو الحرق أو أية أعطال نجمت عن سوء الاستعمال”!
وأنا حاولتُ مراراً أن أُجنِّبَ قلبي سوء الاستعمال.
فهو مثل قلب أي رجل في هذه السنّ، مفرط الهشاشة، طريّ كحبة فاكهة، ومثلها أيضاً قد يصاب بالعطب إن نسيتِه ليلةً على الطاولة!
هل تعرفين: هكذا نشفت حبّات المشمش فجأة، ويبسنَ، وسقطنَ في خديعة “مرطبان المربّى”!
....
مثل ولدٍ يُقصقصُ صورَ السماء من الصُحف، يُلوّنها ويُزوّقها ويُعلّقها على جدار غرفته، أو في دفتر الرسم، ثم يكتشفُ وهو يرشفُ الحليب في سريره أن السماء: لو كان لونها خضراء أحلى!
هكذا ربما هو الحب.. إعادة ترتيب الأشياء، تحطيم النِسَب.
أو ضجرٌ وارتيابٌ من هذا الالتزام الوظيفي للشمس حين تكون على مكتبها في نفس الساعة في كل يوم !  
الحب هو أن نتساءل حين يكون الحبيب بعينٍ واحدة: لماذا خلق الله الناس بعينين اثنتين؟!
وأنا بالمناسبة لا أريد شيئاً، لا أريد سوى كل شيءٍ.. فقط!
أن يكون هاتفي مشغولاً، مثل جميع الخطوط التي في الاتجاه المطلوب!
وأن تضج طاولتنا بالضحك، وألا تَنسَي حيوانك البيتي دون عشاء، وأن أطمئن على تلك الشامة الصغيرة، وأن نفتح قلبينا ليطير فراشٌ ملونٌ كثير باتجاه الغيم.. وأظل أروي لك الحكاية بصوتٍ خفيض حتى أسمع أنفاسك تعلو، وتنامين.. لأدخن سيجارة وأشرب ماء وأنام، تماماً مثل أي رجل في الاتجاه المطلوب!

التعليق