د.باسم الطويسي

الرشوة وبداية الكارثة

تم نشره في السبت 16 أيلول / سبتمبر 2017. 12:07 صباحاً

ازداد الإدراك الرسمي مؤخرا لتنامي ظاهرة الفساد الصغير أو الرشوة ووصولها الى القطاع العام باشكال مختلفة، وهناك قصص لا تنتهي عن التعقيدات التي يضعها موظفون في وجه مصالح المواطنين في سبيل الحصول على رشوة، ويمتد ذلك من مؤسسات إلى جهات تنظيمية وخدمية وسلطات متعددة المستويات. الخطورة ان هذا النوع من الفساد الذي يبدو للوهلة الاولى ظاهرة تقليدية وجدت في الماضي وتوجد في معظم المجتمعات يعد اليوم حسب خبراء النزاهة الاخطر ليس فقط في تهديد نزاهة القطاع العام وضمان توفير خدمات عامة وفرص متساوية امام جميع المواطنين، بل ان هذا الفساد حينما يضرب المجتمع يصل الى العمق ويضرب ما تبقى من رأس المال الاجتماعي، وبالمختصر يشكل هذا النمط من الفساد بداية الكارثة.
 قبل نحو عشر سنوات صدمتنا أرقام استطلاع للرأي العام الأردني حول ظاهرة الرشـوة في الأردن، والتي خلصت إلى أن أكثر من نصف الأردنيين قد تعاملـوا بالرشـوة خلال عام 2006م، في ذلك الوقت تعاملنا مع تلك الأرقام بنوع من عدم التصديق، اليوم للأسف يبدو أن الكثير من الوقائع تغيرت.
 بدون شك تعد الرشـوة أحد إشكال الفساد وجريمـة تعاقب عليها معظم القوانين في العالم ويتفاوت حجم العقاب بين أطراف الجريمـة الثلاثـة الراشي والمرتشي والوسيط، ولكن الكثير من الأدبيات العلميـة إلى جانب ما رسخ في الوعي الاجتماعي ينظر إلى الرشـوة باعتبـارها جريمـة أخلاقية بالدرجـة الأولى، وتقع في أدنى سلم أشكال الفساد لان معظم المتعاملين بالرشـوة من راشين ومرتشين هم من عامـة الناس، فهم مواطنون تعيق مصالحهم وأحوال معاشهم البيروقراطيـة وتعقيدات العمل العام، أو موظفون صغار في أحياناً كثيرة لا يفرقون بين الرشـوة والإكرامية وهذا جانب آخر من تعقيد المشكلة.
    لقد حافظت الإدارة الأردنية عبر تاريخها على سمعة وصرامة عاليتين، ومع هذا تشكل العديد من المؤشرات الجديدة والكثير من القصص التي نسمعها يوميا  صدمة حقيقية لما هو متعارف عليه في هذا الشأن، وعلى اقل تقدير وفق الانطباعات العامـة بالمقارنـة مع بيئات أخرى محيطـة، نعلم نحن، وتتحدث تقاريرها ووسائل إعلامها بأن الرشوة تعد لديهم جزءاً من السلوك العام، مقابل اننا ولهذا الوقت نصر على ان السواد من صغار موظفي القطاع العام يرفضون حتى ما يسمى بالاكرامية التي يعدها آخرون شكلاً من أشكال الثناء والشكر.
  المشكلة الأخرى أن تعريف الرشوة ما يزال غير محدد بوضوح، بينما تذهب الكثير من التقارير والمؤسسات المعنية إلى ربطها بالوظيفة العامة، يقل الحديث عن هذا الشكل من أشكال الفساد في القطاع الخاص، والأشكال الأخرى من الابتزاز والإغراء التي تصل في بعض المجتمعات الوظيفية إلى حد الابتزاز الجنسي والأخلاقي والثقافي لتمرير المصالح في القطاعين الخاص والعام، وأهمها الضغوطات والتدخلات والمقايضات وتبادل المصالح في تصعيد القيادات الإدارية وضبابية النزاهة في سلوكيات قادة القطاع الخاص، وغياب أنظمة رقابة حقيقية تأخذ بعين الاعتبار المصالح المجتمعية.
   الى وقت قريب كنا ننظر الى ظاهرة الرشوة بانها صغيرة ومحدودة، أي تواضع قيمـة تلك الرشوة وأن مقاصدها في الحالـة الأردنيـة لا تتجاوز مجرد تسهيل إجراءات قانونيـة أو تعجيلها، وبعضها الآخر تُدفع بعد ان يتم  إنجاز المعاملـة؛ أي أن الإنجاز غير مرتبط أصلا بالدفع، اليوم بات الأمر مختلفا وهناك روايات عن شبكات شبه منظمة تدير آليات تلقي الرشى وعليك أن تدفع وإلا لن تمر. ببساطـة لا نريد ان ندير دفـة معركـة مقارعـة الفساد إلى اتجاهات أخرى غير ساحاتها الحقيقيـة التي يجب ان تتوجه نحوها، حينما نربطها بالعمق المجتمعي وبسلوكيات الناس اليوميـة لدى صغار الموظفين أو أصحاب الحاجات من عامـة المجتمع؛ أولئك الذيـن تعيق أشكال الفساد الأخرى مصالحهم وحاجاتهم، لكن هذا هو الواقع وعلينا الاعتراف به والتعامل معه بجدية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »االوعي بالمصلحة العامة والرشوة كآفة اجتماعية يبدأ بالمدرسة (مواطن)

    السبت 16 أيلول / سبتمبر 2017.
    الملفت أنه في بعض الأحيان لا يطلب الموظف أي رشوة فيبادر المواطن المستعجل لعرضها بشكل فج إما بشكل منسف أو وجبة طعام أو القيام بواسطة يستفيد منها الموظف الذي يقدم الخدمة لأن هناك متنفذ نعرفه ونمون عليه