‘‘الجمعيات‘‘.. نظام ادخار وإقراض إنساني بضوابط مالية اجتماعية صارمة

تم نشره في السبت 16 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً

أحمد أبو خليل

لا يحتاج الأمر هنا إلى تصميم برامج إقراضية، ولا إلى حملات إعلانية حول نسبة فائدة مغرية، ولا إلى خبراء في العلاقة مع جمهور المقترضين وطالبي التسهيلات.
هنا يكفي أن يبادر أحد، رجلاً كان أو سيدة، شابا أو فتاة، في مكان العمل أو في لقاء أقارب أو جيران أو أصدقاء، إلى القول: "تعالوا نعمل جمعية".
وتبدأ بعد ذلك الإجراءات اللازمة والبسيطة؛ حيث لا أوراق ولا وثائق فيها، لكنها لا تخلو من الصرامة والحزم.
يتعين أولا أن يكون هناك رئيس، وعادة ما تكون سيدة، وسيكون من مهامها تنسيق الأسماء والتفاهم على أدوار القبض والقيام بعمليات جمع الأقساط ثم تسليمها إلى صاحب أو صاحبة الدور مع نهاية كل شهر.
ومن مواصفات رئيسة الجمعية أن تكون ظروفها مناسبة من ناحية موقع السكن، وخاصة عندما تضم الجمعية أقارب أو أصدقاء متباعدين في المكان وأن تعرف الجميع وتعرف احتياجاتهم التي من أجلها شاركوا في الجمعية، لكي تستطيع أن تقدّر تسلسل استحقاقات التسليم، وأن يقرّ لها الجميع بهذا الدور ويرضى بما تراه مناسباً في حالة الاختلاف حول تقدير تسلسل الدور، ولكن عليها أن تتدبر أي إشكالات تحصل مثل أن يتأخر أحد الأعضاء في تسديد قسط أو يعجز كلياً عن المواصلة غير أن عمل رئيسة الجمعية تطوعي بلا أي أجور غير قيمته المعنوية.
حجم الجمعية
في الوضع النموذجي، تتكون الجمعية من عدد يتراوح بين 10 و12 مشاركاً، بحيث لا تزيد مدة الجمعية على سنة واحدة، وذلك لغايات تحقيق سهولة الضبط، ولكن هذا العدد يكون مرنا في في بعض الحالات.
أما حجمها المالي فيتحدد في كل حالة على حدة، كما يختلف من مجموعة لأخرى بحسب مستوى دخولهم واستعدادهم، وفي الغالب فإن الجمعية التي يكون قسطها مائة دينار تعد كبيرة، لأن المبلغ الإجمالي لها سوف يصل إلى 1000 دينار أو أكثر قليلاً، وهذا يعد مبلغاً كبيراً، وتكون الغاية منه "كبيرة" أيضاً، مثل أقساط جامعية للأولاد، أو صيانة منزل، أو عملية جراحية، أو زواج أو خطبة أو ما يشبه ذلك مع أنه في الحالة التي تعاملنا معها لإعداد هذا التقرير، توجد سيدة تشترك على الدوام في جمعية سنوية، على أن يكون دورها في رمضان، لأن نقود الجمعية مخصصة للوفاء بنذر، هو ذبيحة.
كما ترون.. هناك طيف واسع من الاحتياجات التي تلبيها الجمعيات، أما قيمة القسط الشهري، ففيها مرونة من نوع خاص؛ إذ يستطيع شخصان أو أكثر أن يشتركا في دور واحد، أي في قسط واحد، ولكن في هذه الحالة، يتعين أن تكون العلاقة مع عنصر واحد يمثل الشركاء، ويكون عليه أن يجمع منهم أقساطهم الفرعية، ويسلم القسط كاملاً، ويجوز بالمقابل أن يشترك عضو واحد بقسطين.
لكن هناك جمعيات صغيرة، حجم قسطها يتراوح بين 10 و20 ديناراً، وتعقد للحاجات الملحة البسيطة، مثل شراء أدوات منزلية، أو شراء أو تصليح جهاز، وما شابه، كما أنه يحصل أن تتشكل جمعيات بمبالغ أكبر بهدف شراء سيارة مثلاً، وتكون في العادة من أشكال التوفير المنظم.
وعلى هامش جمعيات الكبار، تقوم هناك جمعيات للأولاد أو الأطفال، وذلك كتدريب على الادخار، وفي العادة يدفع القسط فيها بشكل يومي، وتكون فترة الجمعية قصيرة، كي يتم ضبط تحصيله من المصروف الذي يتلقاه الطفل، ولكن في حالة هذه الجمعيات، فإن من يقوم بالجمع وتنظيم التسليم من الكبار، وقد تعمل الأم جمعية لأبنائها، ويقصد الأهل من هذه الجمعيات تربية الأطفال على عمليات التوفير والادخار، إضافة إلى أنها تمكّن الطفل من شراء حاجته التي لا يمكن شراؤها مرة واحدة، مثل لعبة ما أو قطعة ملابس اختارها.
متكافلون متضامنون وكاتمون للسر أيضاً
تتم عملية تنظيم الدور بين المشتركين بالتفاهم، وفي حالة تناقض المصالح، فإن الحسم يكون من صلاحيات رئيسة المجموعة.
وصحيح أنه لا أحد يجبر شخصاً على الاشتراك في جمعية، لكن اعتياد مجموعة ما على عقد الجمعيات، يشكل نوعاً من التضامن والاتفاق على بدء جمعية جديدة بعد انتهاء سابقتها، ويعد من لا يوافق "متخلياً" أو "منسحباً" وهي تسميات تنطوي على شيء من الإدانة أو على الأرجح العتب، وتصبح نقطة في غير صالحه.
إن مرور الزمن هو الذي يوفر علاقة منتظمة بين أعضاء كل جمعية ويمكّنهم من الاستمرار معاً، وهناك جمعيات مستمرة منذ سنوات طويلة، وأخذت تشكل جانباً مهماً من تنظيم عمليات وإدارة الوضع المالي للأسرة، وصارت الأسر تتعامل مع الأمر كاستحقاق رئيسي، ويجري ترتيب الأولويات بحيث تتم المحافظة على الجمعية.
على رئيسة الجمعية أن تراعي ظروف "العملاء" وخاصة العميلات، فإذا لم ترغب إحداهن في الكشف عن غايتها من المشاركة فعليها أن تعينها على ذلك، وتقف في وجه فضول الأخريات لمعرفة "أين ستذهب بالفلوس".
وإذا رغبت الزوجة بكتمان أمر مشاركتها عن زوجها مثلاً وأسرت بذلك لرئيسة الجمعية، فعلى الأخيرة أن تلتزم بسرية الأمر، فهنا أيضاً ينبغي مراعاة سرية الحسابات المصرفية، وتعد المشاركة شخصية ما لم يكن هناك تفويض بغير ذلك، ولكن التفويض هنا شفهي، ويكفي أن لا يطلب العكس كي يعد هذا التفويض موثقاً.
وفي حالة تقصير أحد المشاركين لمرة واحدة عن الدفع، فإنه في العادة يحاول أن يبقى هذا الأمر مكتوماً بينه وبين رئيسة المجموعة، التي يتعين عليها أيضاً أن تعمل على تسديد القسط لأن صاحب الدور له الحق الكامل باستلام كامل المبلغ، وذلك بكفالة ضمنية من قبل الرئيسة.
ويخضع المقصر لعملية "تعزير" يختلف مستواها بحسب نوع التقصير وعدد تكراراته، ويكون المقصر مهدداً بالحرمان من المشاركة بجمعيات أخرى، ويصبح ذا سيرة مالية غير جيدة، تؤثر على سمعته في عالم الجمعيات.
ويجوز الانسحاب الودي من الجمعية في حالة توفير بديل، وعلى الطرفين أن يتفقا على تسوية الأمور المالية بينهما، بما لا يؤثر على مصالح باقي الفرقاء.
يرى المشاركون بالجمعيات أنها طريقة مناسبة أكثر من اللجوء إلى البنوك، فهي أسهل وتخلو من الفائدة؛ أي أن المبلغ يكون كاملاً، ولا حاجة للضمان أو الكفيل، ولكن بالأساس فإن الجمعيات تعفي المقترض من الدخول في "دوخة البنوك".
ولهذا فإن بعض الجمعيات تضم أعضاء مستقرين منذ سنوات، توصلوا إلى تفاهم على كل المسائل المهمة لاستمرار جمعياتهم، كما أن نظام الاقتراض والتوفير هذا، يمكّن المشارك من تنظيم بعض جوانب وضعه المالي، وفي السياق قد يكون هناك مشاركون ليست لديهم حاجة ملحة، وهو ما يجعلهم لا يمانعون من أن يكون دورهم في نهاية الجمعية، ويكون هذا النظام بالنسبة لهم نظام توفير بالدرجة الأولى، ثم إن العملية تعطيهم شعور من يشتري "كاش"، لأن الواحد منهم عندما يستلم "دوره" في الجمعية ويشتري به ما خطط له، لا يكون مطلوباً منه أن يدفع أقساطاً!

التعليق