أريد ولا أريد

تم نشره في الأحد 17 أيلول / سبتمبر 2017. 12:00 صباحاً

عاجز عن الكتابة، الكيبورد مصاب ايضا بالعجز، ثمة احباط يملأ الروح، ويفسد علي الرغبة في ان اذهب الى حقل الكلمات لانتقي ما أشاء، او ما تمده لي هي من حروفها المدببة أو الانسيابية.
أريد ان اكتب شيئا عن القمر، عن النافذة التي تزعق بأصوات السيارات العابرة قريبا من شقتي الباهتة، كأن ذئابا تنهش لحم الهدوء بعناية مدبرة من الحيوانات الفولاذية.
أريد ان أكتب عن ضجر اليوم الممض، وازدحام الشوارع بالمركبات المريضة دوما بالاستعجال، وكذبة اول نيسان المستمرة طوال السنة عن حل ازمة المرور، وتحويل الغابة الحديدية الى حديقة تطمئننا بان العالم ما يزال يحتفي بالاشجار.
أريد ان اكتب عن عدم ثقتي بكم، وما آلت اليه أرواحكم من عدم احترام لعقلي، حين تقولون بان الضرائب الجديدة لن تمس الفقراء والطبقة الوسطى، ولكنها ستلكمهم بالضربة القاضية دون ان يطرف لكم جفن.
أريد ان اكتب عن موت الطبقة الوسطى، وهي تلوح بيدها في قبر الفاقة والعوز، باي باي ايتها الاحلام بدولة مدنية، تستند على ظهورنا المحدودبة من التعب.
اريد ان اكتب عن النافذين الذين لا يتورعون عن امتداح قدراتهم في فعل كل ما يمس هيبة الروح والبلاد من كرامة، ويستترون برباباتهم في عزف اغان عن جمال الوطن ومحبته.
اريد ان اكتب عن وعود المسؤولين المصابة بالكذب، لتطوير مؤسساتهم، والقضاء على الروتين، وقمل الأوراق والتواقيع والاختام المسحونة بجدري الرتابة.
اريد ان اكتب عن مدارسنا التي ما تزال تئن تحت حملات التطوير والتغيير، دون ان نلمح اي تقدم يركض في رحابها.
أريد ان اكتب عن ارتفاع الاسعار الذي أصبح مهمة وطنية، لحماية الاثرياء من الفاقة والعوز، وليذهب ذوو الدخل المهدود الى جهنم.
اريد أن اكتب عن احلامنا بالعيش تحت سماء واحدة، نحكم فيها للقانون والعدالة، فتنبت على شجرة العمر العباءات واللحى المصابة بالعجرفة، وتلطمنا بفناجين القهوة السادة.
أريد ان اكتب عن ماء الوجه وهو يسيل امام مسؤولين، جرى تعيينهم بالواسطة في مؤسسات ما تزال تصرخ من الترهل والخراب، وانخفاض اسعار الجوخ.
أريد ان اكتب عن الثقافة المبتلاة بمجموعة مرضى، لم يخرجوا بعد من غرف العناية المهترئة، لاصاباتهم المتضخمة بطحال الانا.
أريد أن أكتب عن توزيع المناصب والمناقب، على فئة لم تتغير منذ قحط، وما تزال تحصي كل قمحنا وتبيعه في اسواق ربطات العنق والرواتب الخرافية والبيوت المجنونة بفخامتها.
لا، لا اريد ان أكتب عن شيء، فقط أريد ان أقرأ صراخنا الداخلي، ذاك الذي يهذي باحلام بلاد خالية من الزوان والمرضى بالمناصب، والفساد والخراب.
وكيف يمكننا ان نصغي لصوت هذا الصراخ ونحن نقطع الاشجار بذريعة انها تلوث الهواء؟

التعليق