في السعي إلى المصالحة بعد "داعش"، القادة العراقيون يشكلون عقبة كأداء

تم نشره في الثلاثاء 19 أيلول / سبتمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • جندي من القوات الخاصة البلجيكية ينظر في مقراب عند خط الجبهة شرق تلعفر العراقية - (أرشيفية)

سكوت بيترسون - (كريستيان سينس مونيتور) 12/9/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

بينما تطرد قوات الأمن العراقية "داعش" من كل قرية ومدينة، يؤسس صانعو السلام آليات للمصالحة. لكنهم يقولون إن الساسة تعلموا القليل جداً من الدروس عن الحكم الشمولي والتسوية.
  *   *   *
يستحق صانع السلام العراقي الشفقة.
فبينما يتم إجبار غيمة احتلال "داعش" المظلمة على التراجع من شمال العراق، فإنها تترك خلفها طائفة معقدة من التوترات، بسبب الانقسامات الطائفية والأمنية والمتعلقة بالحكم، والتي تتطلب اهتماماً فورياً ومباشراً إذا ما أريد تفادي اندلاع العنف من جديد.
يحقق صانعو السلام العراقيون المدعومون من مجموعات الإغاثة الغربية والأمم المتحدة  تقدماً ملموساً مسبقاً. وبينما تطرد قوات الأمن العراقية داعش من قرية ومدينة بعد الأخرى، يؤسس صانعو السلام آليات للمصالحة، والتي تهدف الحيلولة دون وقوع هجمات انتقامية.
 لكن تحرير ثاني أكبر المدن العراقية، الموصل، في تموز (يوليو) الماضي، أبرز فقط الحجم الكبير من العمل الذي ما تزال الحاجة تمس الحاجة إلى بذله في عملية صنع السلام –والملح بشكل خاص في المناطق من كركوك إلى تلعفر، ومن أربيل إلى بغداد- إذا ما أريد احتواء خليط العراق المتفجر من المشاكل على الأقل، لم يكن حلها من الأساس. ولم يتعلم الساسة العراقيون بعد سوى النزر اليسير من الدروس المتعلقة بالحكم الشمولي والتسوية لمنع حدوث المزيد من الفوضى العارمة في المستقبل، على الرغم من الضرر الذي سببه "داعش"، وفق ما يقوله صانعو السلام.
يقف شاهداً على التحدي وعدم اليقين اللذين يواجههما صانعو السلام المشهد الأخير في بلدة القيارة، على بعد 40 ميلاً إلى الجنوب من الموصل. فعند جسر عسكري فوق نهر دجلة، ثمة جثتان ملفعتان بالسواد، جرفهما تدفق مياه النهر المخضرة إلى الأسلاك التي تثبت الجسر في مكانه.
هل هما ضحايا هجوم معاد لـ"داعش"، جرفهما تيار النهر من الموصل؟ أم أنهما مدنيان قتلهما "داعش"؟ أم هما ضحيتا عمل قتل انتقامي من "داعش"، نفذته الميليشيات الشيعية التي يقال إنها نفذت مجموعة من الإعدامات الفورية في الميدان؟
 قد لا يُعرف الجواب عن هذه الأسئلة أبداً، بنفس الطريقة التي لا يستطيع معها أي صانع سلام عراقي أن يحدد كم بالضبط من السلام يمكن تحقيقه عند أي نقطة اشتعال محتملة بالنظر إلى الطائفة دائمة التغير من اللاعبين والعداوات التاريخية وتأثير "داعش".
مع ذلك، وبعد أعوام من العمل والدروس التي استقيت -نجاحات ملحوظة في تكريت- فإن صانعي السلام هنا يعرفون أنهم يستطيعون إحداث فارق إيجابي، حتى في عراق ما بعد "داعش".
يقول حيدر الإبراهيمي ، المدير التنفيذي لمجموعة صنع السلام العراقي"سند": "هذا هو عالم بناء السلام: لا توجد ضمانات بأن تكون العملية ناجحة مائة بالمائة. لقد وزعنا هذه الرسائل: العمليات العسكرية، هناك حاجة إليها. لكن من المهم بنفس المقدار تمهيد الأرضية للحوار ولحل القضايا المجتمعية".
يكمن مقياس النجاح في جمع كافة اللاعبين وجلبهم للجلوس حول طاولة واحدة لبحث القضايا المعقدة، بحرية. وثمة معايير أخرى أكثر قابلية للقياس، مثل هندسة الاتفاقية التي وقعت في كانون الثاني (يناير) الماضي مع أكثر من 40 من شيوخ العشائر في الحويجة، البلدة التي تقع إلى الجنوب الغربي من كركوك والتي ما تزال تحت سيطرة "داعش"، من أجل تجنب الأعمال الانتقامية في مرحلة ما بعد "داعش".
ويقول السيد الإبراهيمي الذي كان يتحدث في أربيل: "هذا ليس شعاراً، وإنما حقيقة: إن السلام ممكن، ومن الممكن أن يحدث التغيير". ويمضي إلى القول: "لقد اختبرنا (حالات) قليلة جداً، لكننا جد متأكدون أنها يمكن أن تزاد إلى الحد الأقصى. إن (العراقيين) مستعدون للتغيير. لقد عانوا بما فيه الكفاية. وقد شهدوا ما فيه الكفاية".
الشمول والتسوية
عمد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إلى التعبير عن كل الانتصارات العسكرية المعادية لـ"داعش" بعبارات قومية، ودعا العراقيين إلى الوحدة.
لكن محللين وصناع سلام محترفين يقولون إنها لا بغداد ولا حكومة كردستان الإقليمية التي تتمتع بحكم شبه ذاتي والمتمركزة في أربيل -والتي كان مقاتلوها من قوات البشمرغة فعالين في القتال المعادي لـ"داعش"- قد تعلموا دروس الشمولي والتسوية التي يمكن أن تؤدي إلى المصالحة.
على سبيل المثال، قيل أن الهجوم المعاكس المتوقع لطرد "داعش" من الحويجة ما يزال يواجه المصاعب بسبب انعدام الثقة بين بغداد وأربيل حول مستقبل كركوك ومواردها النفطية، في حين من المقرر أن يجري استفتاء على الاستقلال الكردي يوم 25 أيلول (سبتمبر) الحالي.
تسبق بعض المشاكل اجتياح "داعش" الشمال العراقي في حزيران (يونيو) من العام 2014، مثل الصراع على السلطة بين بغداد وأربيل والأراضي المتنازع عليها بينهما في سهل نينوى، حيث علقت مجموعات الأقلية مع عداواتها التاريخية الخاصة في المنتصف وتعرضت للإهمال. وقامت القوات الكردية بتوسيع سيطرتها إلى ما هو أبعد من هذه المناطق المتنازع عليها -بما في ذلك فرض سيطرة تامة على كركوك التي لطالما كانت موضع نزاع- عندما ضعف الجيش العراقي قبل تقدم "داعش" في العام 2014.
تفاقمت مشاكل أخرى بسبب وجود "داعش"، مثل عسكرة المجتمعات العرقية -حيث شكلت الكثير منها ميليشياتها الخاصة- والعبء الاقتصادي الضخم لإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد "داعش". على سبيل المثال، بعد تدمير أكثر من ربع الأماكن السكنية في الموصل تماماً، تقدر الأمم المتحدة أن إعادة جعل مدينة الموصل صالحة للعيش مرة أخرى يمكن أن يكلف 700 مليون دولار.
ويقول خوغير ويريا، الباحث في معهد أبحاث الشرق الأوسط في أربيل: "ليس لدى بغداد ولا حكومة إقليم كردستان فكرة عما يجب عمله بخصوص إعادة الإعمار. إنهما تفتقران إلى الأموال، ويمر الجانبان في أزمة مالية، ويعانيان كلاهما من أزمة سياسية. وثمة الكثير جداً من اللاعبين على الأرض... وبالإجمال، هناك حالة فوضى".
الاستفتاء الكردي
يظهر أن الحد من تلك الفوضى يشكل تحدياً معقداً بسبب سلسلة من الاستفتاءات والانتخابات الوشيكة. ومن المقرر أن يقيم الأكراد استفتاء على الاستقلال في وقت لاحق من هذا الشهر -وهو ما لم يلق التشجيع من كل من واشنطن وأنقرة وطهران وبغداد خشية المزيد من زعزعة الاستقرار والتشجيع على مطالبة السكان الأكراد المحرومين بالاستقلال، خاصة في تركيا وإيران. كما من المقرر أن يدلي الأكراد بأصواتهم في انتخابات الرئاسة في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.
وفي عموم العراق، من المقرر إجراء انتخابات للمحافظات في العام 2017 وانتخابات برلمانية كاملة في نيسان (أبريل) من العام 2018، لكن تلك المواعيد تظل محل شك. وتضيف النقاشات السياسية قبل الانتخابات وهياكل السلطة التي قد تتغير عند الاقتراع إلى حالة عدم اليقين لدى صناع السلام بينما يحاولون التوصل إلى اتفاقيات يمكن أن تصمد.
وفي هذا الصدد، يقول الإبراهيمي من مؤسسة سند: "التقدم يتوقف على المستوى السياسي، ومستوى صناع القرار في بغداد وحكومة إقليم كردستان. إنهم يستمرون في عمل العكس تماماً" من المطلوب لتخفيف مخاوف الأقليات -وحتى السنة.
أحد الأمثلة كان قرار البرلمان في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي إضفاء الشرعية على ميليشيات الحشد الشعبي الشيعية في معظمها والمدعومة من جانب إيران، والمتهمة بممارسة فظاعات في القتال المعادي لـ"داعش".
ويقول الإبراهيمي: "يمكن حل ذلك، ولا حاجة إلى عبقري لإحداث هذا التغيير –إنه يتطلب الإرادة والحافز. وهما للأسف غير موجودين".
لدى صناع السلام العراقيين قائمة أعمال لا تنتهي، والتي تشكل كل حالة منها تحديات مختلفة تتطلب حلولاً مسبقة. ويبين مثالان عن الأعمال قيد التقدم –ذلك الخاص بالحويجة في مرحلة ما بعد "داعش" عندما تأتي، وذلك المتعلق بمجموعات الأقلية في سهل نينوى- حجم وتعقيدات العديد من المشاكل العراقية.
التحضير شيء ضروري
مع أن الحويجة ما تزال تحت احتلال "داعش"، وما تزال تعتبر على نطاق واسع مهد انطلاق التطرف الإسلامي في العراق، تعمل مؤسسة "سند" بلا كلل مع القادة في كركوك والحويجة منذ العام الماضي من أجل تمهيد الأرضية.
 ويقول الإبراهيمي: "أسسنا مبادئ للتعايش السلمي الذي يضبط سلوك السكان"، والتي وافق عليها ووقعها شيوخ العشائر. ثم وسعت "سند" وصولها إلى المسؤولين المحليين واللاعبين الأمنيين "لمساعدتهم على جعل هذه المبادئ تنعكس في تصرفات أكثر عملية وقابلية للتطبيق".
تمت مراجعة القوانين العشائرية الخاصة بالانتقام بطريقة يمكن أن تساعد في دعم حكم القانون بدلاً من التنافس معه. وفي الأثناء، تعهدت كافة الجوانب بعدم ارتكاب أعمال انتقامية. وتم وضع خطط مفصلة لحل النزاعات بطريقة شفافة تستند إلى الأدلة.
يقول الإبراهيمي: "إننا نحتاج إلى التأكد من تأسيس الآلية قبل التحرير"، مشيراً إلى أن عملاً مشابها يجري حالياً مع شيوخ العشائر في تلعفر، البلدة التركمانية التي تقع بالقرب من الحدود العراقية السورية، حيث شنت القوات العراقية هجوماً مضاداً لطرد "داعش" يوم 20 آب (أغسطس) الماضي. وأعلنت المدينة محررة يوم 31 آب (أغسطس) الماضي.
ويضيف الإبراهيمي: "لقد وقَّع الجميع (في الحويجة) وأصبحوا يعرفون مسؤولياتهم ومدى العمل. ولذلك، عندما ينطلق العمل، لن تكون هناك دينامية جديدة لأنها اصحبت واقعاً وأمراً روتينياً مسبقاً".
في المثال الثاني على صنع السلام، توجد للأقليات المسيحية والشبك والأزيدية والتركمانية في كل سهل نينوى تواريخها للنزاعات مع بعضها البعض، والتي تفاقمت بسبب تواجد خليط من القوات الكردية والعراقية والمليشيات الشيعية، بالإضافة إلى مجموعاتها المسلحة الخاصة في الوقت الحالي.
يقول السيد ويريا من مؤسسة "مؤسسة الشرق الأوسط للأبحاث" التي وضعت تقريرها الأحدث عن مخاوف الأقليات في آب (أغسطس) عن طائفة الشبك إن أعلى خطر بعد "داعش" يكمن في وقوع اشتباكات بين المليشيات مثل المسيحية والشبك حول ملكية الأراضي.
ويقول أيضاً: "الآن يقولون: إننا نقاتل ‘داعش’ ونصد أي هجمات محتملة منهم. لكنني أعتقد بأنه سيكون هناك في المستقبل نوع ما من الاشتباك وما هو أكثر إذا لم تقم بغداد وحكومة إقليم كردستان بمعالجة هذه الأمور. إنهم يحتاجون للانخراط في حوار. وهو ما لا يحدث في الوقت الراهن".
خريطة طريق ما بعد "داعش"
 تطور "مؤسسة الشرق الأوسط للأبحاث" خريطة طريق لمرحلة ما بعد "داعش" والتي تمزج بين المصالحة وإعادة الإعمار وإعادة توطين العراقيين المشردين. وتأمل المؤسسة في لفت انتباه اللاعبين الرئيسيين في بغداد لتخفيف قلق الأقليات في نينوى.
وكان العمل قد بدأ في العام الماضي قبل تحرير المنطقة من "داعش" عندما جلبت المؤسسة قادة عسكريين عراقيين وقادة عسكريين من حكومة إقليم كردستان للتفاوض. ثم جلبوا قادة مجتمع لبحث رؤيتهم للمستقبل. وفي النهاية، أخذوا صناع القرار الفعليين –من المسؤولين المحليين وآخرين من بغداد- إلى هولندا للاجتماع في أرض محايدة.
سوف تكون النتيجة قريباً خريطة طريق، و-كما يأمل صانعو السلام- وعملاً يخفف من قلق الأقليات الهشة.
لكن ويريا يقول: " لا أعتقد أن هذا سوف يفضي على المدى الطويل -أو حتى القصير- إلى سلام، على الرغم من أننا نبذل قصارى جهودنا".
ويضيف: "إننا نعمل أشياء هنا وهناك. ولذلك نعتقد أن بإمكاننا المساهمة بشيء نحو إشاعة السلام والاستقرار في هذا الجزء من العالم". ويخلص إلى القول: "في العراق، يجري سن الكثير من القوانين والإجراءات وتصنع القرارات. لكن الحاجة تمس النفوذ والتطبيق على الأرض".

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:In push for post-ISIS reconciliation, Iraqi Leaders still a sticking point

التعليق