مركبات الديزل الصغيرة والصالح العام

تم نشره في الثلاثاء 19 أيلول / سبتمبر 2017. 12:00 صباحاً

بشار محمود زيتون

بناء على تصاريح رسمية، يبدو أنّ قرار السماح بتسويق المركبات الصغيرة (الصالون) المجهزة بمحرك وقود الديزل في الأردن هو قيد النقاش داخل الأروقة الحكومية. وينتظر تنفيذ هذا القرار توفر كميات كافية من الوقود المستورد المطابق للمواصفات الأوروبية الخامسة للديزل.
إن المبررات التي سيقت لتبني هذا القرار قد تبدو لأول وهلة وجيهة. فمما هو ثابت أن كفاءة استهلاك الوقود في مركبة الديزل الصالون هي أعلى مقارنة مع مركبة البنزين المماثلة. ويصل مقدار الزيادة النسبية في الكفاءة إلى 30 % في المتوسط. على المدى الطويل، من المفترض أن يؤدي التوسع في استخدام هذه الفئة من المركبات إلى انخفاض نفقات الوقود وإلى رفع كفاءة استهلاك الطاقة في قطاع النقل.
ولكن ما هو غير وجيه تجاهل أبعاد مهمة وجديرة بالطرح والنقاش لم يتم تناولها رسميا أو إعلاميا وبالتالي باتت ولم تزل جزءا مغيبا عن الخطاب العام حول هذه القضية. بل إن غياب الخطاب العام بخصوص هذه القضية بأكمله يكاد يكون أقرب إلى الصواب.  
يدّعي المؤيدون لقرار السماح باستيراد مركبات الديزل الصالون بأن استخدام هذه المركبات سيكون له تأثير إيجابي على اقتصاد البلد. للتأكد من صحة هذا الإدّعاء يجب الإسهاب قليلا في الأبعاد البيئية لهذا القرار وتبنّي الشمولية في البحث والتحليل حين كشف تداعياته الاقتصادية والإجتماعية والصحية على المجتمع.
إنّ انبعاثات مركبات الديزل تشكل مصدرا جدّيا للقلق من الناحية الصحية والبيئية. ينبع هذا القلق تحديدا من وجود نوعين من المواد في عادم الديزل: أوكسيدات النيتروجين (أحد مكونات الضباب الدخاني) والجسيمات الدقيقة. وهناك كمية هائلة من الأدبيات العلمية توثق العلاقة الوطيدة بين عوادم مركبات الديزل من جهة والأمراض القلبية والوعائية والتنفسية التي من بينها سرطان الرئة من جهة أخرى.
إن التوسع في تبنّي سيارات الصالون العاملة بوقود الديزل سيؤدي إلى ارتفاع في تركيز عوادم الديزل في الهواء باطراد، وهذا بدوره سيقود إلى ازدياد في عدد الإصابات بالأمراض القلبية والوعائية والتنفسية. وسيترجم إزدياد الإصابات إلى تفاقم في حالات الموت المبكر وتدهور في صحة المصابين بالربو وتقلص في أداء الرئتين للأطفال وازدياد في التغيب عن المدارس وعن أماكن العمل مما يؤدي إلى انخفاض في مستوى الإنتاجية وتضخم في النفقات الصحية. وسيترك كل ذلك أثرا سلبيا على أداء الاقتصاد.
هذه الحقائق الموثقة علميا في دراسات عديدة تقودنا إلى التساؤل عن مدى التفاوت بين التأثير الإيجابي المالي الناتج عن الارتفاع (المفترض) في كفاءة قطاع النقل من ناحية والأعباء الاقتصادية الإضافية والخسائر البيئية الناجمة عن تداعيات تلوث الهواء الضار بالصحة من ناحية أخرى. إن عدم وجود دراسة أردنية محلية تستجيب لهذا التساؤل يدفعنا إلى الإستعانة بتجارب مماثلة من مصادر عالمية لاستخلاص الدروس.
وإذا أخذنا بخبرات الدول الأوروبية، فبعد عقدين من تقديم حوافز مالية لتشجيع اقتناء مركبات الديزل الصالون في دول الاتحاد الأوروبي، مما نتج عنه ارتفاع في نسبة شراء هذه المركبات وصلت إلى 50 % من مشتريات المركبات الجديدة، ها هي هذه الدول تتجه إلى إعادة النظر في مستقبل هذه المركبات بسبب المدى الخطير في تلوث الهواء. فقد أعلن رؤساء بلديات باريس ومدريد وأثينا ومكسيكو سيتي مؤخرا عن نيتهم جعل مدنهم مناطق خالية تماما من مركبات الديزل بحلول العام 2025. كما أعلنت النرويج والهند وفرنسا عن خطط لوقف تسويق مركبات الاحتراق الداخلي كليا بحلول 2025 و2030 و2040 على التوالي. بل إنّ شركة فولفو ستتوقف عن إنتاج أصناف جديدة من هذه المركبات بحلول العام 2019 من أجل الاستثمار في المركبات الهجينة والكهربائية.
وقد يدعي البعض بأن تلوث الهواء في مدن المملكة سيكون ضئيلا بسبب توفر ما يسمى بديزل يورو5 وهو نوع من التصنيف الذي يشير إلى مطابقة الوقود إلى أفضل المعايير البيئية حيث لا تتجاوز نسبة الكبريت فيه عن 10 أجزاء من المليون (الكبريت هو أحد مكونات الجسيمات الدقيقة الرئيسية في عادم الديزل). ولكن هذه المقولة تتجاهل عدة حقائق وتتناقض مع تجارب الدول الأوروبية. فيجب أولا عدم إغفال أنّ ديزل يورو5  ليس له تأثير على كبح انبعاثات أوكسيدات النيتروجين الضارة بالصحة.
 أما فيما يتعلق بالجسيمات الدقيقة، فعلى الرغم من أن استخدام ديزل يورو5  سوف يؤدي إلى انخفاض في كمية انبعاثات هذه الملوثات من سيارات الديزل الصالون، إلا أن ذلك غير كاف على الإطلاق لاحتواء مشكلة التدهور في كلا جودة الهواء والصحة العامة. وهذا ما دعا الإتحاد الأوروبي إلى تبنّي معايير انبعاثات صارمة تتطلّب تجهيز المركبة بمنظومة تكنولوجية لمعالجة وتقليل كمية الملوثات المتواجدة في عادم الديزل. غير أن تكنولوجيا معالجة العادم هذه تصحبها تكلفة مالية ليست باليسيرة. ومع ذلك وفي المحصّلة النهائية، لم تتمكّن دول الاتحاد من التغلب على تلوث الهواء.
هذا ومن المرجح أن يؤدي السماح بتسويق مركبات الديزل الصالون إلى ارتفاع إضافي في إقتناء المركبات الخاصة وربما كذلك إلى ازدياد في وتيرة استخدام هذه المركبات مقارنة مع سيناريو الوضع الحالي. وإذا تجسدت هذه التداعيات، فإن ذلك سيقوّض من استراتيجية الحكومة المعلنة بتشجيع النقل العام ورفع نسبة عدد ركاب وسائل النقل العام. بل هنالك دواعي، إذا تجسدت هذه التداعيات بصورة كبيرة، قد تقود إلى احتمال تلاشي فوائد رفع كفاءة قطاع النقل المزعومة التي سيقت أصلا لتبرير قرار السماح باستيراد سيارات الديزل الصالون إلى السوق الأردني، وذلك إذا صاحب هذا القرار إرتفاع غير متوقع في كميات الديزل المستهلكة يفوق مقدار التوفير في كميات استهلاك البنزين. وإذا كان الهدف الأعلى هو رفع كفاءة قطاع النقل، فالأجدر بنا أن نجعل النقل العام أولوية تنموية وطنية. ويمكن القول بأن الاستثمار في إنشاء قطاع نقل عام يُمثل أنجع الحلول وأكثرها حكمة وأشدّها نفعا للصالح العام وذلك إذا تمعنا في التداعيات الإجتماعية والاقتصادية والبيئية والسياسية الإيجابية التي ستتجسد.
إن التداول المجتمعي العام بخصوص القرارات التنموية هو من حقوق المواطنة وشكل من أشكال اللجوء إلى الحكمة والتروّي حين اتخاذ قرارات ذات تداعيات جسيمة على كل شرائح المجتمع. نأمل تعليق قرار السماح باستقدام هذه المركبات لتوفير المجال لعقد مثل هذا النوع من الحوار المجتمعي التشاركي.

التعليق