عيسى الشعيبي

الأكراد يمسكون بلحظتهم التاريخية

تم نشره في الاثنين 18 أيلول / سبتمبر 2017. 11:06 مـساءً

إذا لم يحدث ما ليس في الحسبان، وأخفقت مساومات الدقائق الخمس الاخيرة في تقديم عرض لا يمكن رفضه، سوف يتوجه ملايين الاكراد في شمال العراق، بعد ايام قليلة، ليصبوا اصواتهم في صناديق الاستفتاء، لصالح الانفصال عن المركز في بغداد، ووضع مدماك آخر في بناء دولة كردية مستقلة، ظلت تداعب خيال ابناء هذه القومية المضطهدة منذ مائة عام على اقل تقدير، ليس في كردستان العراق فحسب، وانما في سائر دول الجوار، حيث وقفت ثلاث قوميات مفترسة، بعناد شديد، ضد نيل احفاد صلاح الدين حقهم المشروع في الحرية وتقرير المصير، اسوة بالعرب والفرس والاتراك.
ليس في وسع امرئ عانى ابناء شعبه من القمع والاضطهاد والمصادرة، والحرمان من الحرية والاستقلال، ولديه حساسية مفرطة تجاه الظلم والجور والاستبداد، ان يتنكر لموقفه الاخلاقي، ويسقط مبادئه الاساسية، ويناصب اصحاب حق لا مراء فيه، عداءً لا مبرر له، كأن يناهض حصول الآخر على امتياز ناضل هو من اجل الوصول عليه، فما بالك اذا كان ذوو هذا الحق شركاء لنا في تاريخ  مجيد، وجغرافيا ممتدة عبر الحدود الاستعمارية، فضلاً عن الكفاح والجهاد ضد الغزاة؟ وكيف للمثقف المسكون بحس العدالة والاستقامة ان يجاهر بالاعتراض على حق الاكراد في الاستقلال؟.
يمكن تفهم مواقف الدول العربية، الصامتة منها والمعارضة، حيال الاستفتاء المقرر يوم الخامس والعشرين من هذا الشهر، وان يجد الذرائع الوجيهة للمتخوفين على وحد بلاد الرافدين، وان يشاطر المتحسبين تحسبهم وحرجهم إزاء تأييد اسرائيل المعلن لهذه الخطوة الكردية، التي لا رجعة عنها وفق ما تشي به كل المقدمات، خاصة بعد تصويت البرلمان، الا انه من غير اللائق ان يتماهى المرء في البلدان العربية مع المواقف الايرانية والتركية المنطلقة من اعتبارات قومية شوفينية، في مناهضتها لحق قومية اخرى، تملأ الحرية وجدان عشرات الملايين المشتتين في مثلث واقع على تخوم القوميات العتيقة الثلاث.
غير ان اكثر ما يبعث على الدهشة والاستغراب، موقف الولايات المتحدة المعارض لهذا الاستفتاء، الذي يعد التراجع عنه في هذه المرحلة بمثابة كسر لروح امة فتية، ان لم نقل اذلال لها على رؤوس الاشهاد، لا سيما أن اميركا هي التي وضعت بنفسها حجر الزاوية لهذ البنية الانفصالية قبل نحو قرن من الزمان، حين فرضت حظراً جوياً، وتبنت النزعة الكردية الانفصالية، وقدمت كل اشكال المساعدة والاسناد لقيام حكم ذاتي في كردستان، بما في ذلك السلاح والمال، ثم تأتي بعد ان صار للأكراد شبه دولة مكتملة الاركان، لتقول لهم؛ عودوا الى نقطة الصفر، ولا تلعبوا ايها القوم بوحدة العراق، او قل بالحديقة الخلفية لإيران.
واحسب لو ان العراق الجديد، كما اسماه المحافظون الاميركيون الجدد بعد الاجتياح عام 2003، كان دولة عدل ومساواة، ورخاء وأمن وازدهار، لما اقدم الاكراد على هذه الخطوة التي دونها صعاب لا حصر لها، ولا اختار مسعود برزاني (الذي سيصبح اب الاستقلال الكردي) هذا الطريق الموحش، وهيأ كل هذه الارضية السياسية ليوم الاستفتاء، بعد ان يئس من امكانية استمرار الشراكة مع بلد يقوم على مبدأ المحاصصات، تسوده الميليشيات وينغل فيه الفساد، الامر الذي يجعل من خيار الانفصال عن دولة فاشلة، يصفها الاميركيون انفسهم انها مجرد دولة على الورق، اقل الخيارات سوءاً، وربما ادناها كلفة سياسية ومادية على المدى البعيد.
ازاء ذلك كله، ورغم ما يحيق بالخطوة الكردية المرتقبة من تحديات، ليس اقلها غسل الولايات المتحدة يدها من هذا المشروع الذي بذرت بذرته الاولى قبل نحو ربع قرن، ناهيك عن تهديدات الاتراك واستفزازات ايران، فإنه يمكن القول ان  الشعب الكردي في البلاد التي يعيش فيها منذ مئات السنين، بات على بعد خطوة واحدة، من الامساك بلحظته التاريخية الفارقة، وهي لحظة لن تفلت من بين يديه بعد الآن. وما علينا ونحن نشهد انبلاج فجر الحركة القومية الكردية عن يوم تطلعت له اجيال متعاقبة من اقرب القوميات الى العرب، الا ان نتمنى لهم النجاح (وليس لدينا غير ذلك)، وألا نرى تكراراً للمشهد المحزن، بل والمروع، الذي انجلى عنه استقلال جنوب السودان.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الأكراد يمسكون بلحظتهم ؟؟؟ (يوسف صافي)

    الثلاثاء 19 أيلول / سبتمبر 2017.
    مع تاييدنا لكل شعب بحق تقرير مصيره ؟؟؟ مايجري استاذ عيسى توقيتا؟؟؟ تناغما وأستراتجية الفوضى الخلاقّه ؟؟التي زادها خلط الأوراق من أجل زيادة اللهيب والعديد حتى تأتي حرب المصالح القذرة (فخّار يكسر بعضه) اكلها ؟؟؟ مايجري في شمال العراق ظهور برعم زهر الغرسه (عوضا عن برعم الربيع العربي الذي احرقوه قبل ان يزهر) لدفين حلم الكيان الصهيوني "من النيل للفرات " وهل يعقل وبعد انتهاء صلاحية سايكس بيكو؟ان يكون هناك "كيان قومي كردي (وهم لم ينسوا امة أخرجت صلاح الدين ) ؟؟؟ مسرحيتهم لم تنتهي بعد (انظر التقارب الإيراني التركي في وجه الإستفتاء الكردي)؟؟ والقادم اعظم ؟؟؟ولاراد لقضاء الله بل اللطف فيه"