زليخة أبوريشة

عمّان وسياسة "كيفما اتّفقَ"

تم نشره في الاثنين 18 أيلول / سبتمبر 2017. 11:04 مـساءً - آخر تعديل في الأربعاء 20 أيلول / سبتمبر 2017. 10:08 صباحاً

كانت عمان واحدةً من أجمل المدن العربيّة، والآن هي من أقبحها.. كيفَ حدثَ ذلك؟ بل كيفَ يمكنُ أن يحدثَ ذلك؟
كانت قد هندسها المهندسُ الفطريّ الذي لم يتعلَّم في كليّةٍ، ولا درسَ في جامعاتِ العالم.  البيوتُ من حجرٍ، ولا تعلو على الطابقين أو الثلاثة، والطرقاتُ تسيلُ مع التواءات الجبالِ السبعةِ التي كانت وصْفَها بين المدائن. صحيح لم يكن هناك حدائقُ، لكنَّ حدائق البيوت كانت غناء، والأراضي الزراعية والحقول كانت قريبةً من عنقها وخصرها، حيث القمحُ والتبغ والخضارُ الصيفيّة تكفي احتياجاتها، قبل أن تسمح بلدية العاصمة بأن تُنتهكَ حرماتُ الطبيعةِ ومخزنُ الحضارة الزراعيّة الغابرة التي تركت تحت كلِّ عمارة قبيحةٍ الآنَ معاصرَ زيتونٍ وآباراً لتجميعِ مياهٍ وأدواتٍ لصناعة الغذاء. نعم.. فتحتَ كلِّ بيتٍ من بيوت الشميساني وأم أذينة والصويفيّة ومنطقة المدينة الرياضية وغيرها، كانت آثارُ الحضارات السابقةِ ظاهرةً للعيان، كما كانت التربةُ الزراعيةُ ومنتوجها عنوان مرحلةٍ اندثرت. لقد قامت أمانة العاصمة عبر النصف القرنِ الأخيرِ بتدميرٍ منهجيٍّ لهويّة عمان الجماليّة، وهويتها الزراعيّة والتاريخيّة. وأتى مهندسون ليشقوا الطرق والشوارعَ على مذهبِ كيفما اتَّفق. وهو مذهبٌ لا يميّزُ بينَ جميلٍ ونافعٍ وقبيح. فبالإضافة إلى شقِّ الشوارعِ حسب الطلب والفساد، أي لوزيرٍ أو متنفِّذٍ أو مُحدَثِ نعمةٍ، فهناك افتقادٌ مثابرٌ للخيال؛ فالمدنُ الحديثةُ تُخطَّطُ على نحوٍ يخدمُ المستقبلَ ويحسبُ حسابَ النموّ، ولا شيءَ من هذا كان. فبالكادِ هناك شوارعٌ بديلةٌ أو موازية تنبعثُ منها فروعٌ مدروسة، لتجنّبِ الهدر في المسافات ولمعالجة الاختناقات قبل حدوثها. وليس لدينا أيُّ شارعٍ في الأردنِّ كلّها على الإطلاق بُنِيَ بمنظور جماليٍّ نفعيّ. وما جمالُ بعض المناطق التي أقيمَت فيها القصور إلا لأنَ البيوتَ المشيّدة عليها جميلةٌ بمجهودٍ شخصيٍّ من أصحابها.
وسنتحدَّثُ إلى ما لا نهاية حول تقسيم الأحياء السكنيّة كيفَ تبدّلت بين ليلةٍ وضحاها من ألف إلى باء، ومن باءٍ إلى جيم، حيثُ اعتُديَ على روح المدينة وسلام سكانها، بزجِّ الأسواقِ التجاريّةِ والمولات بين البيوتِ السكنيّة، إرضاءً لمسؤولٍ يطمعُ في رفع سعر أراضيه أو ممتلكاته، أو لتخطيط جاهلٍ بالتخطيط. بل حتى توزيع المهنِ ودور العبادةِ والمدارسِ والدوائرِ الحكوميّة والمحلات التجارية والمطاعم لا يبدو مدروساً على الإطلاق، إذ لا يمكن التصديقَ أن خمسة مساجد تحتشدُ في منطقةٍ لا تتجاوز الكيلو متر المربع الواحد. ولا يمكن السكوت على اجتماع عدد من المدارس الخاصة الكبيرة في منطقة الشميساني مثلاً، ولا يفصل بينها شارعٌ واحد. وليست الأزمة الخالدة في شارع المدينة المنورة الذي تزدحم فيه المطاعمُ ومحلات الحلويات إلا مثالاً صارخاً على التخطيط العبقريّ في ترخيص المحلات..
أما تراخيص الأبنية ومخالفاتها فذلك فصلٌ آخر مرعبٌ من فسادِ الأمانةِ وغباش رؤيتها. ولن نتحدثَ إلا بإشارة عن امتلاء الأمانة نفسها بالبطالة المقنعة، حيثُ مئات الوظائف ممنوحة لمن لا يؤدون أيَّ عملٍ على الإطلاق. وأيُّ اطلاع على قوائم الرواتب والمكافآت ستُري أي نائبٍ أو نائبة أو مسؤولٍ في مقاومة الفساد، حجم الخرابِ المستمرّ الدؤوب.
والحلُّ؟؟
مبدئياً، تبدو جميعُ الحلولِ مستحيلةً ما لم تفتح الدولة نفسها هذا الملفَّ العويص، وتعترفُ بمسلسلِ السياسات الخائبة والمتواطئة مع البشاعة والهدر والفساد. وبعد ذلك إيقاف الاستمرار في جميع هذه السياسات، والبحث عن حلولٍ إبداعيةٍ وعدم تكرار الأخطاءِ في أكل الأراضي الزراعية المتبقيّة، وفي التخطيط المبتذل للأبنية والشوارع، وإيقافِ منهجِ "كيفما اتَّفق" الذي جعلَ من مدينتنا هُزأةً بين المدائن. مع الحفاظ على ما بقيَ من عمان القديمة المتمثلة في جبل اللويبدة وجبل عمان وأجزاء من جبل الحسين ووسط البلد.
وعلى ذلك سنعقد الأملَ، الذي لا نملك غيره من خيار!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الافضل (سامي منصور)

    الأربعاء 20 أيلول / سبتمبر 2017.
    افضل مقال على الاطلاق للكاتبه الدكتوره زليخه على الاقل حسب قناعتي