مشكلات بدء العام الدراسي

تم نشره في الاثنين 18 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً
  • الخبير التربوي الدكتور ذوقان عبيدات-(أرشيفية- تصوير: ساهر قدارة)

 د. ذوقان عبيدات *

ليس لدينا دراسات رأي عام تكشف اتجاهات مختلف الأطراف نحو بدء العام الدراسي. ولكن من الملاحظ أن المدرسة ترى أن بداية العام انطلاقة لعمل وربما هموم، وأن المعلمين يرون ذلك نهاية إجازة طويلة لأن الطلبة يعتبرونها عودة الى واجبات وهموم وشجون. اما الأهل فقد يشعرون بمشاعر متناقضة: سعادة انتهاء معاناة العطلة، وهموم مالية، ومترتبات مختلفة، وربما كان المشترك بين مختلف الأطراف هو الهم!
فكيف نحوّل هذا الهمّ إلى فرحة؟ هذا ما ستجيب عنه هذه المقالة ولكن قبل ذلك سنحاول الإجابة عن السؤال الآتي: ما الذي يؤثر على مختلف الأطراف والشركاء في بدء العام الدراسي؟ ولماذا تتراكم بعض مشاعر الهموم؟ للإجابة عن هذا السؤال، سنحاول تقسيم الإجابة وفق مختلف الشركاء:  -المدرسة.  - المعلمون.  - الأسرة.  - الطلبة.
(1)المدرسة
غالباً ما يبدأ العام الدراسي، وكأنه مفاجأة، وليس تاريخاً محدداً وحتمياً، فالمفاجآت في المدرسة لها مصادر عديدة:  - تنقلات معلمين، وربما مديرين.  - كتب مدرسية وأدوات وأجهزة.  - تنقلات طلاب وطالبات.  - البرامج والجداول والخطط المدرسية.
 - تشكيلات الصفوف.
ولا شك أن هذه المتغيرات - هي حتمية حتى الآن، تحدث الإرباك اللازم. فالمعلمون لا يمكنهم عمل خططهم التدريسية وهم لا يعرفون في أي مدرسة سيكونون؟ وكيف يعدون خططاً لكتب لم يروها، وطلاب لم يعرفوهم، ومدرسة لا يعرفون ثقافتها؟ بل، وكيف يعملون مع زملاء لهم لم يتعرفوا بعد على أسمائهم؟  هذه المتغيرات قد تكون عذراً أو تبريراً في غالب الأحيان لبداية ارتجالية، غاب عنها الوعي والتخطيط والتنظيم والعمل المشترك.
ولذلك نقول بأمانة، لا يعرف المعلم مع بداية العام المواد التي يدرسها ولأي صفوف سيدرّس! ويأتي هذا في ظل وجود كتب جديدة قد لا يعرف بعض مضمونها، وقد لا تتوافر كلها مع بعض الطلاب. فالكتب المدرسية، كباصات النقل، غالباً ما تصل متأخرة!
طبعاً، لا يمكن للمعلم وضع خططه السنوية أو الفصلية بغياب هذه الكتب اضافة لما ذكر عن عدم معرفته بالصفوف التي يدرسها. والطلاب متغير آخر، فمعظـم المدارس تتعرض لتشكيلات جديدة في الصفوف، فينقل منها طلاب وصفوف، ويأتيها طلاب وصفوف آخرى! فبأي آلاء طلابهم سيعملون؟
وبرامج التدريس وأنصبة المعلمين، متغير رخو أيضاً، فلا يمكن وضع جدول الدروس في أي مدرسة دون استقرار كامل للمعلمين ونصابهم، وللطلاب وصفوفهم، وتكامل مؤهلات معلمي المدرسة واختصاصاتهم. فبأي خطط سيبدأون؟
إذن يثور السؤال: كيف تضبط كل هذه المتغيرات؟ هل تستطيع المدرسة ضبط ذلك؟ طبعاً لا! هل تستطيع الوزارة فعل ذلك؟ طبعاً لا! فالحكمة عند متغيرات أخرى مثل ديوان الخدمة المدنية، وتسرّب بعض المعلمين، ورفض بعض المعلمين الالتحاق بوظائفهم.
وهل التنسيق مع هذه الجهات أمر ممكن؟ الإجابة حتى الآن ما زال الأمر صعباً لأسباب موضوعية وذاتية تتعلق بالمسؤوليات المهنية للجميع!
(2) المعلمون
إن توصيف حالة المعلمين مع بدء العام الدراسي ليس أمراًَ مبسطاً، فالمعلمون شتى! بعضهم جديد لا يعرف شيئاً عن التدريس ولا عن المدرسة ولا عن مكان العمل ولا حتى عن سبل العيش بعيداً عن الأهل. وبعضهم متحمس، متعطش لبدء عام كله أمل وفرحة وشوق للطلاب. وبعضهم يفاجأ بعد كسل طويل وإجازة دون مضمون. وبعضهم انتهى من أعمال منتجة كان يمارسها خارج مهامه الرسمية، وبعضهم وبعضهم، ولكلٍ مشاربه!
فأي روح جمعية قد تحيط بهذه الفئات؟ إنهم في المدرسة متساوون في المسؤوليات مهما اختلفت خبراتهم ومؤهلاتهم. فنصاب المدرسين محدد بالتعليمات. ومسؤولياتهم محددة ايضاً. فهم يعملون في مهنة مسطحة ليس فيها درجات مميزة. دكتور في الكيمياء يعادل خريج كلية مجتمع، وخبير في التدريس يعادل معلماً جديداً! فبأي آلاء العمل يتميزون؟
والحلول أيضاً تتوزع بين قبائل شتى! وكأي مشكلة سياسية لا حلول خارج الإقليم، فالحلول إن لم تبادر بها المدرسة، لن تجد سبيلاً للتطبيق.
 إن المدرسة مسؤولة عن تنظيم العمل لهذه الفئات بجعلهم أفرادا في مجتمعات متعلمة. ولن يندمج معلم عمره عشرون عاماً مع زملاء له في الأربعين أو الخمسين إلاّ في مجتمع متعلم. والخطر الأكبر الذي يهدد المعلمين الصغار ما قد يتسرّب اليهم من خبرات سلبية ممن عملوا في التعليم طويلاً. وهذا يستوجب عدم إتاحة المجال لتعريض المعلمين الجدد والصغار سناً لخبرات مريبة!
(3) الأسرة
تتحدد مسؤوليات الأسرة في تهيئة بيئة منزلية ملائمة لتعلم أبنائهم، من مكان وأدوات وربما مكتب مستقل أو جزء مستقل من البيت ما أمكن، بحيث يسهل على الطفل حفظ أدواته وعدم اختلاطها بأدوات إخوانه الآخرين. أما المسؤولية الثانية فهي معرفة سياسة المدرسة ومتطلباتها، ومتطلبات بدء العام الدراسي من مستلزمات وأدوات، وبذل الجهد ما أمكن لتلبيتها.
قد يتطلب ذلك اجراءات عديدة، ولعل ذلك مسؤولية المدرسة في تنظيم التواصل. أما الاسرة فمسؤولياتها الاستماع الى ابنائها والتعرف الى حاجاتهم المطلوبة لبدء العام.
ومن المهم أن نتحدث بوضوح أن دور الاسرة هو:  - تنظيم البيئة المادية.  - إثارة دوافع التعلم.
أما التدريس، فهو ليس من مسؤولياتها. وعلى المعلمين أن يعرفوا أنهم المسؤولون عن عمليات التدريس وحدهم. وأن دور الاهالي اشرافي فقط.
ان التدريس سلسلة من عمليات ومهارات قد لا يتقنها المعلمون أصلاً. فكيف يطلب من الأهل ان يقوموا بهذه العملية؟ ومن هنا، فإن الواجبات التي تعطى للطلاب، وهي في معظمها ليست ضرورية ولا تسهم في تحسين ادائهم، هي ما يعكر صفو التواصل مع المدرسة، ويعكر جو الأسرة وجو أبنائها، وقد سبق أن تحدثت عن الواجبات وحجمها المناسب ونوعها، لتكون دافعة ايجابية للتعلم بدلاً من كونه همّاً اسرياً وطلابياً ومدرسيا!
المهم، ان الأسرة ليست هي المسؤولة عن أي عمليات فنية في التدريس  - حتى لو امتلكت الوقت  - فالوقت ليس ما يدفعني للقول بأن الاسرة ليست مسؤولة عن التدريس. التدريس مهارات وعلم يجب اتقانه وممارسته من مختصين.
وبذا تكون أبرز مسؤوليات الأسرة هي في مساعدة ابنائها على التكيف مع الحياة الدراسية وخاصة في بدء العام الدراسي.
(4) الطلبة.
يعود الطلبة، بعد انقطاع كلي عن المدرسة ومفاهيمها. نعم حضر عدد قليل جداً منهم بعض الأنشطة التي نظمتها الوزارة هذا العام. وحضر عدد اقل نشاطات عبر المنزل. لكن غالبية الطلبة عادوا بعد انقطاع. وربما دون قراءة حتى نشرات الأخبار. هذا الموقف يتطلب إعادة تأهيل وإعادة تكيف للحياة المدرسية، ومما يجعل المشكلة حادة ان المدرسة مازالت بعيدة عن البيئة الجاذبة، فكل ما فيها جدي وربما متزمت. فالممنوعات كثيرة. والخطوط الحمر موجودة، والتوجيه غير موجود بالدرجة المناسبة.
والطلبة قبائل شتى ايضاً ومنهم:
 - اطفال الصف الأول، حوالي 130 الف طالب، لم يدخل معظمهم في رياض اطفال، يواجهون بيئة مختلفة تماما عن المنزل. ويفرض عليهم الوجود بين من يكبرونهم سناً في معظم الأحيان.
 - اطفال جاءوا الى مدارس جديدة، ليس لهم فيها اصدقاء.
 - اطفال اعادوا صفوفهم  - رسبوا  - دون ان يعرفوا شيئاً عن أسباب رسوبهم. فهم يشكلون مشاكل موقوتة، سواء في تكيفهم او في تكيف زملائهم.
 - أطفال يقابلون معلمين جددا ومدارس جديدة، ما يثير امامهم صعوبات في التكيف.
فكيف سيكون الجو الدراسي في ظل هذه الصعوبات.
(5) مقترحات وحلول
الحل دائماً في مدرسة جاذبة. وإذا غابت المدرسة الجاذبة  - وهي غائبة فعلاً  - فإن أي مدرسة يمكن أن تمارس اجراءات جاذبة على الأقل مثل: 1 - جعل بدء العام الدراسي احتفالياً، تكثر فيه الانشطة من مختلف انواعها، غناء، فرحاً، رياضة، شعراً، مسابقات فكرية وأي نشاط آخر. 2 - جعل بدء العام الدراسي تشاركياً بمعنى مشاركة الطلاب وأهاليهم في الحياة المدرسية، وحضور الاهالي بعض الانشطة، بحيث تكون بيئة المدرسة في اسبوعها الأول، وحتى شهرها الأول بيئة معلمين وطلاب وأهالي.
3 - جعل بيئة المدرسة واضحة تماماً، من حيث اعلان السياسات والتعليمات والقواعد والإجراءات. 4 - اشراك الطلبة والأهالي في وضع السياسات والقواعد السابقة، بحيث تؤخذ آراؤهم كشركاء كاملين. 5 -  تدريب الطلبة على الالتزام بالتعليمات والقواعد، لضمان معرفتهم بها اولاً وتطبيقها بدقة ثابتاً. 6 - تخفيف الأعباء الطلابية، وعدم الزام الطلبة بأي واجبات ثقيلة قد تعيق تكيفهم مع الحياة المدرسية الحديثة.
7 - تنظيم الطلبة في مجتمعات متعلمة بحيث تتكون من:  - طلاب ومعلمين وأهال.  - طلاب ومعلمين.  - طلاب فقط.
ان مهمة هذه المجتمعات هي بناء مصادر للتعلم، ومصادر للانتماء، ومصادر للفرح. فالحياة المدرسية يجب أن تكون جاذبة ممتعة. ليس في بداية العام بل على مدى العام.

* رئيس وحدة البحوث في مجتمع النهضة التربوية

التعليق