د.أحمد جميل عزم

كردستان واسكتلندا

تم نشره في الثلاثاء 19 أيلول / سبتمبر 2017. 11:07 مـساءً

إذا ما جرت الأمور كما هو مخطط قد تشهد العراق، وتحديداً شمالها، استفتاء يوم 25 من الشهر الجاري، يقرر فيه الأكراد الانفصال في دولة مستقلة، ولعل فكرة حق تقرير المصير تسند حق الأكراد في تقرير مستقبلهم، والسؤال هو كيف يمكن أن يقرر الأكراد طوعاً وبقناعة البقاء في العراق؟. لعل الاستفتاءات التي قام بها الاسكتلنديون مراتٍ عدة، وفي كل مرة كانوا يقررون البقاء في بريطانيا، تشكل جزءاً من الجواب.
هناك تشابه، ولو كان ظاهرياً، بين كردستان واسكتلندا؛ فكلاهما يقع شمال البلاد (شمال العراق وشمال المملكة المتحدة)، وكلاهما الغني بالنفط والطاقة، أكثر من باقي المناطق، وكلاهما لديه لغته الخاصة، رغم حديثهم بلغة باقي البلاد، وكلاهما لديه تاريخ خاص، وتاريخ من الدماء والشعور بالظلم من قبل باقي المكونات، وكلاهما حظي بفرص الوصول لأعلى المناصب (الرئاسة بالنسبة للأكراد ووزارة الخارجية وغيرها)، ولا شيء يمنع الاسكتلنديين من تولي أعلى المناصب. وعدد السكان يكاد يكون متطابقاً، نحو 5.3 مليون شخص. وتكاد تطابق المساحة التي يطالب بها الأكراد في العراق، مع مساحة اسكتلندا، وهي نحو 78 ألف كيلومتر مربع. وكما يوجد أكراد سنة وشيعة، يوجد اسكتلنديون بروتستانت وكاثوليك. ويمكن الإشارة لأوجه تشابه أخرى مختلفة، عدا أنّ مساحة العراق نحو ضعف المملكة المتحدة.
من الفروق الأساسية، أنّ هناك دولا إقليمية مختلفة تعارض وبشدة استقلال الأكراد في كيان مستقل، وعدا العراق، هناك إيران، وتركيا، وسورية، التي تخشى أن يطالب أكرادها بشيء شبيه. بينما لا أحد يخشى من استقلال الاسكتلنديين من الدول المحيطة. كذلك لا يوجد علاقات دولية نشطة للاسكتلنديين، بعكس الأكراد الذين هم جزء من تحالفات دولية، ومن صراعات انفصالية مختلفة.
أمّا لماذا قرر الاسكتلنديون، في ثلاثة استفتاءات، أعوام 1979، و1999، و2014 البقاء في دولة موحدة، فذلك لأسباب أولها، أنّ الاستفتاء بحد ذاته كان أمرا متفقا عليه، وهذا يختلف عن الحالة الكردية، حيث تجري الاستعدادات للاستفتاء، بينما العاصمة، بغداد، وباقي العراق، تهدد بالحرب والتدخل القسري ضد الاستفتاء. ورغم أن الاسكتلنديين لديهم إرث من العنف والحرب مع إنجلترا، فإنّ حقيقة وجود حياة ديمقراطية، وطرق لتحقيق المطالب، بما قد يصل للاستقلال والانفصال، ديمقراطياً، أدى لأن يختلف المشهد عن العراق، الذي عاش عقودا من الدكتاتورية، وبدون ديمقراطية، وتعرض الأكراد لمذابح ليست بعيدة.
الفرق الأكبر في العراق أنّه رمز ومركز للانقسام على أساس الهوية الفرعية، سنة وشيعة، وعرب وأكراد، وأنّ هذا الانقسام تمأسس وأخذ شكلا عنيفا في السنوات الأخيرة، هذا مع أنّ الانقسام الكاثوليكي البروتستانتي، في بريطانيا، خصوصاً في إيرلندا واسكتلندا كان حاداً، ودموياً جداً، وقمعيّاً، في الحالة الإيرلندية، إلا أنّه تراجع.
في حالة اسكتلندا تحديداً حصل الاسكتلنديون، منذ نهاية القرن العشرين على كل ما طلبوه تقريباً، بدءاً من الاعتراف بلغتهم وتخصيص محطة BBC للغتهم، وحرية التدريس بها إن شاؤوا، (ولأن لغتهم غير ممنوعة لم تتحول لقضية قومية وبقوا على الانجليزية). وأسسوا بتوافق مع لندن، برلمانا خاصا لشؤونهم الداخلية، ولديهم منتخب كرة قدم خاص. ومن هنا فسبب حرية تقرير المصير، وبسبب وجود حسابات اقتصادية ومصلحية، والشعور بالقدرة على التعبير عن الهوية الخاصة، والتفاوض المجدي على المكاسب الاقتصادية والسياسية، قرر الاسكتلنديون عدم الانفصال.  
من ناحية موضوعية تماماً، الأكراد كباقي الشعوب، لهم حق التفكير بهوية مستقلة يتم التعبير عنها سياسياً بكيان مستقل، فكل الكيانات في المنطقة تقريباً ولدت قبل أقل من مائة عام، واصطنعت، فلماذا يشكل الأكراد استثناء؟
من ناحية أخرى، فإنّ تفتيت العراق ليس مصلحة عراقية، وليس في خدمة مشاريع الوحدة، ومن المنطقي أنّ نجاح الأكراد بالاستقلال في العراق، سيتلوه عدوى وطلبات بالاستقلال من أكراد دول أخرى، وربما من مكونات أخرى في الدول العربية، وهذا يعني عدم استقرار والكثير من المشكلات.
في أحسن السيناريوهات يمكن إقناع الأكراد بتأجيل الاستفتاء، وفي هذه الحالة، سيكون الحل الذي يؤدي لتقليص النزعة الانفصالية، هو إعادة التفكير بكل شيء في العراق، والمنطقة، خصوصا الانقسام الطائفي، وطريقة توزيع المكاسب الاقتصادية، وعملية اتخاذ القرار، وتجاوز آثار الماضي، وتبني الدولة المدنية.      

التعليق