سائد كراجة

مستعدون لدفع الضرائب ولكن!

تم نشره في الأربعاء 20 أيلول / سبتمبر 2017. 12:03 صباحاً

خزينة الدولة جيوب رعاياها، مبدأ درسناه على يد عميد كلية الحقوق في الجامعة الأردنية وأستاذ التشريعات المالية والضريبية البروفيسور رشيد الدقر – رحمه الله، والذي كان غالبا ما يُعرِج على السياسة في محاضراته قائلاً: ادفعوا الضريبة تصونوا الاستقلال!، ومعنى هذا المبدأ باختصار؛ أن المورد الأول لميزانية الدولة هو جيوب المواطنين، وهذا المورد يضمن استقلال الدولة المالي باعتباره شرطاً لازماً لاستقلالها السياسي.
إن التزام المواطنين بأداء الضريبة يوازيه التزام الحكومة بتنظيم وتحفيز الاقتصاد بما يضمن وجود وعاء اقتصادي لدفع الضريبة، مع ضرورة مراعاة أن قانون الضريبة يجب أن يعتمد مبدأ تصاعدية الضريبة كما نص عليه الدستور، وأن تلتزم الحكومة أيضا بإدارة موارد الدولة لضمان تقديم خدمات عامة محترمة للمواطنين مقابل ما دفعوا من ضريبة، عندئذ يؤدي المواطن ضريبته طائعا لأنها هي سبب تحصيله لدخله وربحه من جانب، وهي سبب حصوله على خدمات عالية الجودة من جانب آخر، فإنْ بعد ذلك تهرب المواطن من دفع ضريبته يقمعه قانون واضح حازم يطبق على الجميع دون تمييز، ومعروفٌ أن رعب المواطن من التهرب الضريبي في البلدان المتقدمة يوازي الرعب من ارتكاب جريمة الخيانة العظمى.
الفريق الاقتصادي في حكومتنا العتيدة، عاكف على التفنن في "كيفية حلب"  450 مليون دينار من جيوب المواطنين، والتي يبدو أن الحكومة التزمت "بتدبيرها" بموجب تفاهمات مع صندوق النقد الدولي، إلا أنه وبنفس الوقت وبعد هبة شعبية وإعلامية في وجه تسريبات قانون ضريبة بطعم جبائي أعلنت الحكومة وعلى لسان دولة الرئيس أن قانون الضريبة المرتقب لن يمس الطبقة الوسطى والفقيرة، وهو أمر لا أعتقد أن الحكومة قادرة على الوفاء به، ويبدو أن الحكومة تفكر في ترحيل الأزمة للبرلمان ليرفض مثل ذلك القانون، أو أن تحاول تحصيل المبلغ المطلوب عن طريق زيادة الضريبة على البنوك وشركات الاتصالات والشركات الكبرى، ما سيؤدي إلى تجفيف منابع الإنتاج في الأردن، وقد تصل تلك المؤسسات الى مرحلة  تجبر فيها على الخروج من سوق العمل الأردني، والحكومة إن فعلت ذلك فهي الخاسرة بالنتيجة، فقد قال ابن خلدون قديما "الجباية تقتل الجباية" وملخص هذا القول أن كثرة الضرائب تخرج الناس من العمل فتنخفض الضرائب التي تجنيها الحكومة على حصيلة عملهم.
ما هو المطلوب؟! المطلوب خطة اقتصادية واضحة شاملة، تحفز الاقتصاد وتشغل عجلة الإنتاج، خطة قوامها ضبط النفقات، ولا نقول خفض النفقات فإن الخفض في غير موضعه مضرٌ للاقتصاد فما ينطبق على الأفراد من فكرة التوفير لاينطبق على الدول، والمطلوب أيضا العمل على تحريك عجلة النقد في السوق المحلي بطرح المزيد من المشاريع الرأسمالية، والتحفيز الفوري للاستثمار المحلي والأجنبي، وتشجيع الإنتاج الزراعي والصناعي وفتح الأسواق أمامهما بأي ثمن كان، فالدول لا تقوم قائمتها بوقف العمل والمشاريع، والمطلوب أن يواكب التوجه لرفع الضريبة حملة لتحسين الخدمات العامة التي تقدم للمواطن، وأيضا المطلوب تغيير هيكل التعليم كله نحو التعليم المهني فوراً ودون إبطاء فقد سجل في الجامعات أمس أكثر من ثلاثين ألف مرشح ليكونوا عاطلين من العمل بعد أربع سنوات، المطلوب حقيقة هو فريق اقتصادي بعقلية القائد وليس المدير الذي يقوم بعمله يوماً بيوم ويمارس سياسة إطفاء الحرائق فقط!
الفريق الوزاري يجب أن لا ينام بعد واقعة المواطن الذي كسر عداد الكهرباء وأعلن العصيان المدني، وبعد واقعة السطو المسلح العلني على محطة بنزين، لا نود إثارة الرعب وبلدنا بخير والأجهزة الأمنية تقوم بدورها لفرض الأمن والقانون ولكن لن نحمّلها أكثر من طاقتها، فإن الأمور دقيقها مما يهيج له العظيم. المطلوب رؤية شاملة للإصلاح وخطة اقتصادية يرى فيها المواطن أهدافا استراتيجية واضحة تنجز ضمن برنامج عمل واضح وفترة زمنية محددة، عندها سيكون المواطن الأردني مستعداً للتضحية والمشاركة في إنقاذ الاقتصاد والوطن، ومستعداً لدفع ضرائبه والتزاماته للوطن، فاهم عليّ جنابك!؟

التعليق