المشاغبون هم المبدعون

تم نشره في الثلاثاء 19 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً

ماسة عمر الدلقموني

"المُشاغبون هم المبدعون" بملامح متفاجئة وابتسامة لا تُنسى استقبلت تلك الكلمات منه، لا لأنها تتناسب وبعض قناعاتي، بل للسحر الذي أُضيف لها عندما خرجت من وزير التنشئة والتّعلُم - التربية والتعليم - مصحوبةً بطاقة إيجابية ونغمة صوت واثقة.
أرى الأمل في عيون الناس من حولي في هذه الندوة فأُصاب بالعدوى، فإذا بالحماسة تغمر أفكاري، ويبدأ خيالي بنسج صورة أرى فيها أطفال وطلاب الوطن يتهافتون إلى المدارس بخطى متحمسة وروح معنوية عالية. وما أن أسرح أكثر في خيالي، حتى يعيدني إلى الواقع صوت أستاذ يصرخ في القاعة متعدياً كل أساليب الحوار، وتقبل الرأي الآخر، والاحترام. أستاذ هو نعم! هو ذاته الذي يعمل في إحدى أهم منشآت الوطن على الإطلاق، تلك المنشأة التي يتم فيها صقل العقول، وتهذيب الأرواح، وتجذير الأخلاق... تلك المنشأة التي يقصدها اليوم من سيقود مستقبلنا غداً.
لحظات من الإنصات لذلك الصوت كانت كافية لقلب معالم وجهي وبعض من حولي من نظرة حالمة إلى نظرة ممتعضة.
"أين أخفقنا؟"
جاء تساؤل الدكتور عمر الرزاز كأن ما حصل من الأستاذ كان ريبورتاجا قبل عرض ذلك السؤال... وأي مشهد هذا؟ مشهد يعكس واقع ما يحدث في معظم اجتماعات مجلسنا النيابي وداخل الكثير من مدارسنا - ولكل قاعدة شواذ - من أساليب حوار على مستوى راسمي السياسات، والإدارة، والمعلمين، والأهل، والطلاب.
دقائق معدودة هي ما احتاجها حافظو النظام في القاعة لتهدئة الأستاذ، ليكمل الدكتور عمر حديثة والرؤوس تهتز تأييدا مؤكداً على أهمية التأهيل المُسبق للمعلم حتى يتمكن من ممارسة هذه المهنة الإنسانية، وأهمية تقييمه المستمر من خلال رخصة المزاولة. ثم تطرق إلى ذكر ثلاثة مداخل للتغيير على المستوى المتوسط والطويل من خلال دعم المعلم وتأهيله، وتوحيد المنهج وتعدد الكتب، والتركيز على الخمس سنوات الأولى من حياة الطفل. كما ذكر ثلاثة مداخل أخرى على المدى القصير تتمثل بالاستفادة من ثورة تكنولوجيا التعليم، وافتتاح 2700 مدرسة مربوطة بخدمة البرود باند، وأخيراً التركيز على النشاط الّلاصفّي.
وما أن تعمق الرزاز بالحديث حتى امتلأت القاعة ثانيةً بالأمل ولمعة من التفاؤل، إلى أن تمت مقاطعة الندوة مرة أخرى من قِبَل مجموعة مطالبين برفع يافطة - كانوا قد أمروا بإنزالها سابقاً - وبعد مناوشات رُفِعَت اليافطة لنقرأ عليها "التربية الخاصة"، وبلحظات بدأ ممثل عن مجموعة شابات وشباب - كانوا قد درَسوا التربية الخاصة بناءً على توجيهات من وزارة التربية والتعليم فيما يتعلق بالتخصصات المطلوبة وفرص العمل المتاحة - بمطالبة الوزارة بإيجاد حل لهم، فتوجيهات الوزارة كانت غير مدروسة ووعود فرص العمل غير حقيقية.
ولو كنت لأُخْرِج هذه الندوة، لاستخدمت مشهد اليافطة كريبورتاجٍ ثانٍ قبل عرض تساؤل الدكتور عمر: "إلى أين نتجه وما هي البوصلة!".
لا بد لي أن أشير هنا أنه بالرغم من امتعاضي من الريبورتاج الأول إلا أنّ الريبورتاج الثاني أثار فضولي، وترقبت إجابة الدكتور لعله يجيب عن تساؤل المواطنين فيما يتعلق بثقتهم بقدرة وزارة التربية والتعليم على تأمين أحد حقوق أبنائهم وبناتهم الأساسية في الحصول على أفضل تعليم ممكن يتوافق ومتطلبات سوق العمل المستقبلية.
فهل هناك استراتيجية واضحة لوزارة التربية والتعليم؟ أم أن تغييرها يتم مع كل تعديل وزاري!
وهل لنا أن نثق بالبوصلة ونحن نرى كل أولئك الشبان والشابات يجلسون بدون عمل والإحباط يحيطهم؟ ونحن نرى طلابنا على مقاعد الدراسة يُلَقَّنون في عصر التكنولوجيا؟ ونحن نرى صراعاً لرفع لافته سلمية في ندوة أساسها الحوار وحرية التعبير عن الرأي؟
أرجو أن لا يُساء فهمي، فأنا لا أنتقد هنا كل الجهود الملموسة والتخطيط الواضح الذي يحصل اليوم في وزارتنا بقيادةٍ تَعي تماماً المشاكل، وبرغم التحديات، والمعيقات، والأوضاع العصيبة، والميزانيات المتدنية، لم تتوان عن اتخاذ الإيجابية والمثابرة خطوة خطوة أساساً لكل تحركاتها، ولكن أحاول أن أنقل واقع تلك الندوة التي رأيت فيها انعكاساً مصغراً لما نعيشه اليوم مع حكومتنا من أزمة ثقة. هذه الأزمة التي شَعَرْت بإدراك الدكتور لها عندما أجاب وبكل صراحة أنه حتى هذه اللحظة لم يصله جواب واف فيما يخص موضوع خريجي "التربية الخاصة" قاطعاً وعداً بأنه سيصدر تصريحا خلال شهر بهذا الخصوص، محاولاً إعادة بناء الثقة ولو بأبسط الوسائل.
اسمحوا لي أن أنهي المقال بكلمة موجهة للدكتور عمر... أعانك الله على هذه المسؤولية الحساسة التي تمس حياة كل طالب في المملكة، وأمَدَّك بالحكمة والإبداع لانتشال مستقبل تعليمنا وكرامة هذه المهنة، بميزانية لا تتعدى اليوم 3 %‏ من الناتج المحلي، مقابل ميزانية وصلت إلى 30 % في العام 1994.
كمواطنة أمُدُّ يد العون لأَنِّي مؤمنة كل الإيمان بأنك أهلٌ لقيادة هذا التغيير الذي يحتاج إلى تعاضد غير مسبوق وإرادة وإيمان مطلق بأننا قادرون.

التعليق