رزان إبراهيم تتحدث عن الرواية العربية ذات الهم السياسي

تم نشره في الأربعاء 20 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً
  • رزان إبراهيم (يسار) وسحر ملص في منتدى الرواد الكبار أول من أمس - (الغد)

عمان – قدمت أستاذة النقد الحديث في جامعة البترا د. رزان إبراهيم قراءة في الرواية العربية التي حملت الهم السياسي وعبرت عنه كثيرا وأحالته إلى أبعاد تسجيلية واقعية اتسعت معها إمكانيات تعميق انغماس الرواية بالحدث.
واضافت إبراهيم في المحاضرة التي اقيمت أول من أمس في منتدى الرواد الكبار، بعنوان "تجليات المشهد السياسي في الرواية العربية المعاصرة"، وادارتها القاصة سحر ملص، أن التداخل بين المعطيين الواقعي والغرائبي لمسناه في أكثر من رواية فلم يجعل من المتخيل وهماً، بل تعبيرا وانبثاقا عن حقائق في صلب الواقع السياسي الذي نعيشه.
واوضحت المحاضرة أن الواقع لا يمكن أن يكتب عنه الروائي بعيدا عن رغبة في استخدام عناصر ضاغطة تنقل فهمه وإدراكه لما يحدث من حوله، مع محاولة خفية تعلمك من تحب ومن تكره من خلال رابط انفعالي عاطفي يدفعك باتجاه الحكم على الكائن الروائي مشفقا أو محتقرا أو محبا وكأنه كينونة حقيقية.
ورأت إبراهيم أن عددا كبيرا من الروايات اقتربت من الراوي "البلزاكي"، الذي يصدر أحكاما عن الوجود والعلاقات البشرية، فلا يعود بإمكاننا ونحن في غمار الحديث عن رواية ذات طابع سياسي أن ندعي روائيا محايدا لا تحركه مقاصده الإيديولوجية، بما يحيلنا إلى شيفرة سردية عاطفية أو إجراءات روائية تنجح في بعض الأحيان في امتلاك القارئ، بل وجعله ممتثلا لقيم النص ولو على حساب قيمه الخاصة في بعض الأحيان.
ولفتت إلى إن الروائي العربي لم يقف متفرجا على ما حصل من تغيرات خطيرا في الوطن العربي بدءا من احداث الحادي عشر من أيلول (سبتمر) والحرب على العراق، وانتهاء بالربيع العربي، فقد توقف امام  كل هذه التداعيات باحثا عن ملابسات المشهد السياسي التي أكلت الأخضر واليابس في كثير من البلدان العربية، طارحا بكثير من التوتر منطقا صراعيا تقابليا لم يخرج عن صدام في الإرادة بين طرفين يسعى الواحد منهما إلى إزاحة الآخر.
وفي ظل هذه الظروف شهدت الرواية العربية، بحسب إبراهيم، في أطروحاتها التفافا حول ثنائية الضحية والجلاد، وهو ما يفرض سؤالا حول السلوكيات العنيفة السائدة في وقتنا الحالي بكل تداعياتها السياسية، من يقف وراءها؟ من يتحمل مسؤولية حمام الدم في العالم العربي؟ نحن فقط؟ ما الدور الذي يمكن أن تكون أميركا وإسرائيل قد لعبته في هذا المجال؟ ما الذي يدفع الشباب باتجاه تفجير أنفسهم في أماكن ترتادها العائلات؟ وهل كان للمال السياسي تأثيره في استقطاب الشباب باتجاه التطرف والعنف؟
ورأت المحاضرة أن الرواية العربية لا تبرئ الغرب، بل كشفت وفضحت سياسات برغماتية رافقتها شعارات فاشية مغرضة من مثل؛ "كل من ليس معنا، فهو ضدنا"، "العربي الجيد هو العربي الميت"؟ وغيره من شعارات فاشية مغرضة، وتكشف الرواية أن الغربي سرعان ما يعقد الصفقات حتى مع الطرف الذي يناقضه في المشروع، ما دام هذا يصب في مصلحته.
لذلك ما فتئت الرواية، كما قالت إبراهيم، تذكرنا بمخلفات الاحتلال الأميركي في العراق، بدءاً من حلّ الجيش العراقي، مرورا باغتيال المدنيين، وممارسات تعذيب مصورة في سجن أبو غريب، انتهاء بنار الفتنة الطائفية بين سنة وشيعة أشعلها الأميركيون؛ بما يؤكد مرارا وتكرارا مسؤولية الأمريكان في تفكيك أوصال البلاد وحتى ظهور الإرهاب.
ونوهت المحاضرة إلى أن الرواية لا تنسى ايضا الأنظمة السياسية الداخلية وعملية الإقصاء التي تنتهجها وأثر ذلك في العنف السياسي، وفي مذابح من شأنها أن تترك مهزوما يتحين كل فرص الانتقام، مبينة أن الظواهر المدمرة مثل داعش لم يهبطوا من دون مقدمات، وأن الأنظمة الفاسدة لها يد طولى فيها، وبالتالي فإن ظاهرة الربيع العربي ليست مجرد مؤامرة غربية، وأن ما وصلنا إليه من نقطة انكسار سببها عقود من الطغيان السياسي تسيرها أنظمة أثبتت فشلها في ظروف التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
واشارت إبراهيم إلى الاوضاع السياسي التي آلت إليه كثير من البلدان العربية أفضى إلى الرحيل عن الأوطان، مبينة أن الروائي العربي تطرق مرارا إلى معاناة المهاجر في غربته، وكم أصبحت العودة مستبعدة ما دامت الأوطان قد اجتاحها نهابون وقطاعو روس، لذلك شاعت الرواية التي تسجل بكثير من الأسى الشعور باغتراب الذات المقصاة عن الوطن، كما في كتابات "غالب طعمة فرمان"، وربما "فؤاد التكرلي".
وتحدثت المحاضرة عن حرص الروائي في جذب القارئ لما يؤمن به، فنجده يربط بين  ماضي الشخوص وحاضرها، أو بين ماضي المدن وحاضرها، بما يعني أنه يعيد قراءة الماضي بغرض فهم الحاضر، ولربما التطلع إلى استكناه ما هو قادم أيضا، ولذلك رأينا من الروايات ما يتحرك صاحبها من فكرة أن الإبداع في الأدب لا يتوقف على تصوير المجتمعات فحسب، بل على استشراف آفاق المستقبل أيضا.
وخلصت إبراهيم إلى أن الرواية عموما ما فتئت تقرع الأجراس محذرة من مستقبل عربي مآله خراب تقوده إليه اقتتالات متتالية، أبطالها عرب ضائعون يأكل بعضهم بعضاً بعد حضارة إنسانية كبرى امتلكوها في يوم من الأيام.

التعليق