إنقاذ حياة في محكمة العدل العليا

تم نشره في الجمعة 22 أيلول / سبتمبر 2017. 12:00 صباحاً

هآرتس

موشيه نغبي

ليس هناك موضوع اظهرت فيه محكمة العدل العليا الصبر والتسامح الزائد. وهناك من يقولون إنه تسامح خليع تجاه السحق القاسي والفظ لمبدأ المساواة، مثل الاعفاء الجارف لطلاب المعاهد الدينية من الخدمة في الجيش. عندما تم طرح هذا الموضوع للمرة الأولى في المحكمة العليا، كانت رئيسة المحكمة المنتهية ولايتها، مريام ناؤور، ونائبها المتقاعد اليكيم روبنشتاين، ما زالا طالبين يدرسان اللقب الأول في القانون.
في العام 1970 في حرب الاستنزاف الثانية في قناة السويس، قدم ملازم الاحتياط يسرائيل بكار التماسا ضد وزير الأمن موشيه ديان. ادعى بكار انه في اعقاب الاعفاء المذكور اصبح مطلوبا منه ومن جنوده أن يخدموا اسابيع، وربما أشهر طويلة في المواقع المعرضة للقصف، الأمر الذي يزيد الخطر على حياتهم ويشوش تعليمهم وعملهم وحياتهم الاجتماعية.
قررت المحكمة العليا أن القانون لا يمنح وزير الأمن صلاحية اعطاء الاعفاء المذكور، وأن الأمر يتعلق بتمييز واضح. رغم ذلك، رفضت محكمة العدل العليا التماس بكار، وقررت انه بسبب مبدأ فصل السلطات من المناسب، ان يقوم الكنيست، وليس المحكمة، بتصحيح الخلل. ولأن الأمر كان يتعلق باعفاء مئات من طلاب المدارس الدينية فقط، كان من الصعب على الملتمس ايضا أن يثبت وجود علاقة سببية واضحة ذات معنى بين الاعفاء وعبء الخدمة على مقاتلين مثله.
بعد الانقلاب السياسي في العام 1977 فقط، والقفزة الحادة في عدد الحريديم، الذين يحصلون على الاعفاء من الخدمة، من المئات إلى الآلاف، وبعد ذلك إلى عشرات الآلاف، اقتنعت المحكمة العليا بالعلاقة المذكورة، وحذرت للمرة الأولى من أنه اذا لم يقم الكنيست بوضع حد للتمييز، "سيأتي بالتأكيد الزمن الذي سنقول فيه إن قرار تأجيل الخدمة هو قرار غير معقول ويجب الغاؤه".
لكن مرت سنوات إلى أن قامت محكمة العدل العليا باخراج تحذيرها من حيز القول إلى حيز الفعل، وألغت (قانون طال) لأنه لم يلغ التمييز المثير للغضب بين دم ودم، بل على العكس، طالب بدمجه وتخليده. في هذه المرة ايضا اظهر القضاة ضبط نفس كبير، وأعطوا الكنيست مهلة كبيرة لسن قانون عادل. هذا الامر لم يحدث كما هو معروف، والآن ثمانية من التسعة قضاة في محكمة العدل العليا فحصوا ووجدوا أن القانون الجديد ايضا يبقي فعليا التمييز كما هو.
يجدر التأكيد على أنه خلافا لديماغوجية احزاب الحريديم، فإن قرار محكمة العدل العليا لا يلزم بانقضاض الشرطة العسكرية على احياء الحريديم والقيام بالتجنيد الاجباري لطلاب المدارس الدينية للحريديم. القرار فقط ينص على انه يحظر على وزير الأمن والمشرعين التمييز في صالح الحريديم. أي اذا كانوا يسمحون لهم بتأجيل خدمتهم طالما أنهم يكرسون كل وقتهم لتعلم التوراة – يجب تمكين ذلك ايضا لشباب غير متدينين، واذا كانوا مستعدين لتمكينهم من الخدمة العسكرية أو المدنية، دون أن يكون ذلك مخالفا لضميرهم، فيجب تمكين ذلك ايضا للآخرين. مثلا، من يرفضون الخدمة في المناطق (المحتلة منذ العام 1967). إذا كانوا مستعدين للتنازل عن عقوبات جنائية لرافضي الخدمة ويكتفون بغرامات مالية، فيجب تمكين ذلك ايضا للآخرين.
ولكن هذا لا يحتمل وهو غير اخلاقي، لأن من يرفض الخدمة العسكرية بسبب معارضته للاحتلال، أو معارضته لاخلاء المستوطنين، يتم ارساله إلى السجن، في حين أن زملاءه الذين توراتهم هي مهنتهم يبقون أحرارا، فقط لأن من يمثلونهم في الكنيست لديهم رافعة ضغط سياسية.
محكمة العدل العليا ايضا اشارت في قرارها إلى الطريق القويم للموازنة بين احترام حرية الضمير والدين وبين احترام قيمة المساواة في تحمل العبء: اجبار جميع المواطنين، الحريديم والعلمانيين، العرب واليهود، الرجال والنساء، على الخدمة العسكرية أو المدنية، لكن مع التأكيد على وجود شروط تمنع التناقض بين طبيعة الخدمة وبين ضميرهم. هكذا مثلا بالنسبة لطلاب المدارس الدينية (مثلهم المسلمون) يجب أن ينفذوا خدمتهم للدولة كمعلمين في مؤسسات تعليمية في اوساطهم.
يصم الآذان بصورة خاصة الادعاء بأن قرار محكمة العدل العليا يتنكر للقيم اليهودية. من المعروف أن القاضي ميشيل حشين المتوفى، كفر بالثورة التشريعية وعارض في حينه بشدة موقف زميله اهارون براك الذي قال إن قوانين الاساس تعطي المحكمة صلاحية الغاء القوانين. ولكنه وافق ايضا على أن القانون الذي يميز بين دم ودم يجب الغاؤه، ليس بسبب قوانين الاساس، بل بسبب الفتوى اليهودية بالتحديد. واليكم ما كتبه حشين: "انقاذ الحياة، كما هو معروف، يلغي السبت، هناك من يقولون إنه حتى الشك في انقاذ الحياة يلغي السبت. علينا التذكر أن موضوعنا هو انقاذ الحياة، لا أقل من ذلك".
الحديث لا يدور عن انقاذ حياة الجندي الفرد، المضطر لتعريض حياته لخطر أكبر بسبب تهرب طلاب المدارس الدينية، بل لانقاذ حياة مجتمع كامل في اعقاب تضعضع التكتل والتكافل في داخله.
في هذا الموضوع ايضا كان توافق فريد بين القاضيين براك وحشين. "الشعور بعدم المساواة هو من أصعب المشاعر"، حذر براك واضاف "ليس هناك عنصر مدمر أكثر للمجتمع من شعور ابنائه بأنهم يتعاملون معهم بتمييز". في حين أن حشين حذر: "سنثور ولن نسلم في الوقت الذي يحصل فيه الآخر – المساوي لنا - على ما لا نحصل عليه.
هكذا فإن علامات العصيان ضد التمييز في الخدمة العسكرية اصبحت واضحة. لقد وجدت تقارير مؤخرا على هبوط آخر في الدوافع الذاتية للخدمة في الوحدات القتالية، وعلى انتشار ظاهرة "رفض الخدمة الرمادي" والتهرب من الخدمة بشكل عام عن طريق تقديم اعفاءات نفسية كاذبة. يبدو أن استمرار تجاهل معظم اعضاء الكنيست لقرارات محكمة العدل العليا، والمحاولات المتكررة لتجاوزها، هو خطير ليس فقط على الديمقراطية بل على الأمن ايضا.

التعليق