قراءة في فكر نصر حامد أبو زيد (3)

تم نشره في الخميس 21 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً

عبدالرحيم الزعبي

تعرض هذه التدوينة جزئيتين كان من المفترض أن تعرضهما التدوينة السابقة، غير أن الحجم المتاح للتدوينة لم يستوعب هاتين الجزئيتين. أولاهما تكملة لنظرة نصر إلى الوحي، وإشارة إلى ضعف محاججة رافضي نظرته. وثانيتهما تمهيد لموضوع الإعجاز القرآني (سيتم التفصيل فيه في محله). وهو تمهيد يعطي جزئية الإعجاز مكانها في فكرة "تشكل النص القرآني في الواقع"، وبذلك تكتمل الفكرة التي بدأ طرحها في الحلقة السابقة.
تناول نصر الآية الواردة في سورة الزخرف والتي تتناول موضوع الوحي وناقشها. وتناول بالإضافة إليها مجموعة من الأحاديث التي وصف بها رسول الله أحواله المختلفة مع الوحي. وقد استقر به مجهوده البحثي في نهاية المطاف إلى تأويل الآية والأحاديث وصرفها جميعا عن مضامين منطوقاتها المباشرة إلى مضمون آخر غير مباشر. وعلى الرغم من أن نصر قد عرض هذا المضمون بصورة حفظت للرسول الأكرم مقام نبوته إلا أن المضمون نفسه كان صادما للعقل المسلم. ذلك أن نصر يرى أن الوحي حالة تتحقق من خلال فاعلية "المخيلة" الإنسانية، والتي ينعم الله تعالى بها على الأنبياء بدرجة أعلى من باقي البشر.
وعلى ما يبدو فإن الحديث عن المخيلة حين يتعلق الأمر بالوحي ينفر العقل المسلم، ولعل ذلك عائد إلى ارتباط المخيلة بأحلام اليقظة والأمراض النفسية والاختلالات العقلية. ولكن أليست المخيلة الإنسانية هي جزء من عالم الروح الذي لم نؤت فيه من العلم إلا قليلا؟! وأليس هذا العالم ينتمي إلى عالم الغيب الذي يضم الملائكة والجان؟! وعلى أي حال فإن نصر قد أشار إلى الارتباط الوثيق بين النبي وواقعه، وإنكار النبي لفساد هذا الواقع، وهذا يشير إلى براءة فكر نصر من اتهام النبي بالتحليق في الأوهام، فالحديث عن المخيلة لا يتهمه بالعزلة والانفصال عن الواقع بمقدار ما يجعله نبيا أهمه واقعه فاعتزل يتفكر بما يصلحه.
غير أن القراءة المتربصة لفكر نصر ستتناول هذه الجزئية وتستثمرها لحشد الفكر الجمعي السائد (وهو ذات الفكر الذي تؤمن به وتنشره) لتكفير نصر وإخراجه من الملة!! والسؤال الذي يمكن طرحه الآن، لماذا لا يؤخذ الخيال بمعناه الإيجابي الذي يطرحه الفيزيائي إينشتاين ؟! ولماذا لا يؤخذ الخيال بمعناه الإيجابي الذي نتناوله حين نقول "حقائق اليوم أحلام الأمس"؟! أليس من وعد بسواري كسرى (عليه الصلاة والسلام) أجدر من غيره بهذه المخيلة المبدعة وبهذه الأحلام الواقعية القابلة للتحقق وبهذا التفكير الإيجابي المتفائل بغد أجمل؟!
قد تكون هذه الجزئية مثالا على المحاججة الجوانية التي يرفضها العقل المسلم بموروثه الفكري الذي كرس لفصل النص القرآني عن واقعه بحسب نصر، وسيأتي تبيان ذلك في محله. الأهم من ذلك في هذه التدوينة التذكير بما ورد في التدوينة الأولى من كون المحاججة الجوانية لأطروحة نصر قد تمس بعض الخطوط الحمراء وقد تكسر بعض الأيقونات. وهذا ما يدفع العقل المسلم إلى رفض فكره جملة وتفصيلا، وإن تضمن بعض الخلاصات الفكرية الضرورية بحكم الواقع.
غير أن العقل المسلم يحبذ التنظير لتغير الأحكام بتغير الزمان والمكان على طريقة الخطاب الإسلامي السائد. وهو خطاب يحافظ على قداسة القرآن الكريم وعابرية أحكامه للتاريخ والجغرافيا. ويبرر الخروج عليه بمبررات من نوع "هذا مما عمت به البلوى فلم يعد لنا يد في إصلاحه"!! وكمثال على ذلك فإن الخطاب السائد ينكر المعاملات البنكية المترافقة مع الفائدة، لكنه لا ينكر على المسلم استلام راتبه من البنك، علما بأن الحكومة تدفع إلى البنوك بمبلغ أقل من رواتب موظفيها قبل حلول موعد الاستلام بأسبوع تقريبا. خلال هذه المدة تنجز البنوك تشغيلا لهذا المبلغ فيتزايد ليغطي رواتب الموظفين!!  
وقد دفع الخطاب الديني السائد (بطريقته الترقيعية في التعاطي مع الواقع المتغير) بالمفكر السوري صادق جلال العظم إلى كتابة مقالة تجسد شخصية المسلم المعاصر الذي رمز له بالرمز (س). وبحسب العظم فإن المسلم (س) متعلم مثقف يحمل قناعات فكرية "معاصرة". يحب المسلم (س) دينه، ويحاول تطبيق أحكامه في حياته اليومية ما استطاع إلى ذلك سبيلا، لذلك فهو يتحرك بصورة مكوكية بين نصوص دينه وواقعه فلا يقوده ذلك إلا إلى التيه والحيرة. وقد توسع العظم في وصف حيرة المسلم (س) وهو يحاول التوفيق والموازنة لينتهي به الأمر إلى الاستسلام لقناعاته الفكرية!! وعلى الرغم من أن العظم قد وجه المسلم (س) نحو النهاية التي تخدم فكره إلا أن هذه الحيرة التي يعيشها المسلم (س) حقيقية وليست متخيلة.
أما بالنسبة للإعجاز وهو الجزئية الثانية في هذه التدوينة، فكل من قرأ عن معنى المعجزة وتعرف إليها يعلم بأنها عادة ما تكون من جنس ما انتشر في الواقع من أمور تفنن فيها الناس، مع وجود تغلب لصالح المعجزة على أفانين الناس. وعلى سبيل المثال فإن ناقة صالح قد خرجت من لب صخرة صماء لتتغلب على مهارة قومه في النحت، وعصا موسى قد ابتلعت الحبال والعصي التي خيل للمشاهدين أنها تسعى. كذلك الحال بالنسبة للنص القرآني فهو نص يتفوق في فصاحته وبلاغته وبيانه على ما كتبه أهل الفصاحة والبلاغة والبيان.
وبذلك يكتمل التعريف بفكرة "تشكل النص القرآني في الواقع"، وبتكرار خاتمة الحلقة السابقة والإضافة إليها يتم ربط جزئيات الفكرة كاملة: "يصبح لدينا أطراف ثلاثة تشترك في عملية إصلاح الواقع بما لا يخرج عن السنن والنواميس الاجتماعية. الطرف الأول هو الواقع المراد إصلاحه بما يتضمن من محتوى اجتماعي وثقافي وفكري، والطرف الثاني هو النص القرآني بما يحمله من خطاب إصلاحي، والطرف الثالث هو الرسول الأكرم الذي يعيش واقعه وينتمي إليه". والوحي ابن النظام الثقافي الفكري للعرب زمن التنزيل. كذلك الحال بالنسبة لإعجاز النص القرآني فهو متناسب مع واقعهم غير خارج عنه.

التعليق