مراجعات

تم نشره في الجمعة 22 أيلول / سبتمبر 2017. 12:00 صباحاً

د. محمد المجالي

مبدأ المراجعة والتقويم والمحاسبة من أهم المبادئ التي يحتاجها الفرد والجماعة والحزب، بل الدولة بأذرعها وأجهزتها، ذلك لأننا بشر، والبشر عرضة للخطأ، والمطلوب من الجميع الإتقان وبلوغ أسمى درجات الكمال البشري، لأن من مقتضى الشريعة تحقيق المصالح بجلب المنافع ودرء المفاسد، مراعاة للإنسان كله، المسلم وغير المسلم، فرسالة الإسلام رحمة للعالمين.
قديما وجّه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رسالته المشهورة في القضاء، وجهها لأبي موسى الأشعري فقال من ضمنها: "ولا يمنعك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك ما ليس في كتاب الله تعالى ولا سنة نبيه". فهي القوة في الحق، والبحث عن مصالح الأمة أين تكون، بعيدا عن حظوظ النفس وكبريائها وهواها، ففي الشأن العام ينبغي تقديم مصلحة الأمة على مصلحة الفرد، وينبغي أن يكون الجميع شركاء في المسؤولية، تتكامل جهودهم وتنجلي آراؤهم عما هو في مصلحة الأمة.
لا بد من المراجعة لما هو موجود في الساحة الإسلامية من عمل دعوي وتطوعي وفكري، حيث الإخوان المسلمون والسلفيون والتبليغيون والتحريريون والصوفيون على وجه التحديد، بعيدا عن المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة، أو العقدية السنية حيث السلف والأشاعرة، أو غير أهل السنة من شيعة وأباضية وأفكار المعتزلة وغيرها.
يهمني أن نطرح بحرص بنودا للمراجعة عند أصحاب التوجهات، ليس ثنيا لهم عن فكرهم وآرائهم، بل تبصيرا لهم ومراجعة لوسائلهم وأهدافهم على حد سواء، يقينا منا أن الأصل هو الإسلام العظيم بمصادره الواضحة، هو الهدف وما دونه وسائل تتغير وتتبدل، واختلاف الناس مسألة حتمية لا نقاش فيها، ولكن ترشيد الفكر وتصويب المسار فيما قد يكون فيه انحراف أو تشويه أمر ضروري لكل عاقل، خصوصا في زمن يتطلب التركيز على الجوامع واحترام الفوارق والاختلافات، فلا بد من ترتيب الأولويات والتنازل عما نظنه ثوابت، وهو من المتغيرات، فالثابت الوحيد هو ما له علاقة بأصل الدين أن يسود ويُفهَم ويُطبَّق: "أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه".
جل هذه الحركات قد خدم الإسلام والأمة، وحافظ على هويتها في زمن استُعمِرت فيه الأمة وتشتت ووُزِّعت تركتها وأرضها واستبيح إنسانها، وتم التركيز على الدين بشكل خاص كونه المقوم الرئيس لنهضتها، فتشتت الأفكار والوسائل حتى في الفهم والتطبيق، ولكن الغالبية العظمى من الناس على التدين الفطري، توجها إلى الله تعالى في العبادة، وتعظيما له، وأملا بأن يعود الإسلام قويا راسخا حاكما امتثالا لأمر الله تعالى: "وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم..".
أجزم بأن أخطاء هذه التوجهات كلها تزداد وتتعاظم، ربما أثر فيها هذا التضييق العالمي والحرب الفكرية والأخلاقية حتى أنستهم بوصلتهم ووجهتهم، وأدْرك أن الجولة لغير المسلمين فهم المتحكمون في مفاصل الأمور عالميا، ولا يعدو كون المسلمين كرة تتقاذفها أرجل هؤلاء يلعبون بها كما يشاؤون، فالمسلمون غالبا بلا إرادة ولا حضور حقيقي، والعالم كله يتقدم وينال حقوقه إلا المسلمين فقد أريد لهم أن يبقوا في جهل وتخلف عن المطالبة بحقوقهم السياسية على وجه التحديد، وهنا يأتي التشتيت الحقيقي بأيدينا حين لا نركز على الأولويات، وحين نسخِّر الدين داعما للظلم والطغيان باسم الطاعة تارة، وبالصبر البارد والتواكل تارة أخرى.
لا أدل على صدق ما أقول من حالة الانقسام والتشرذم هذه التي فتكت بمعظم التجمعات، ولا أستبعد أن تكون هذه عقوبة إلهية لمن لا يحسن العمل للإسلام، فالعمل للإسلام بحاجة إلى تجرد لله تعالى، وبعد عن كل ما له علاقة بهوى أو تعصب، ولا بد له من إخلاص وصدق ويقين به سبحانه.
هل الإخوان بعد قرن من الزمن مؤهَّلون للقيادة بمنهجهم الذي أُخِذ عليه الجمود والوقوف عند الوسائل وعدم التجديد في الرؤى والتعامل مع القوى المختلفة؟ وهل السلفية بمنهجها المتشدد وتركيزها على فروع الدين وفرزها الناس بناء على المذهب العقدي مؤهلة للسير في قافلة القيادة؟ وهل التبليغ قادرون على دخول معترك الحياة بكل تفاصيلها؟ وهل الصوفية التي هي في الأصل منهج فردي قادرة على بث الروح في الأمة لتحيى من جديد؟ مع تعديل لكثير من الوسائل المبتدعة في طرقها؟ وهل التحريريون قادرون على نقد الذات في استحالة التغيير من الرأس؟ وهكذا.
أستغرب من دعوات في الأردن للترويج لمذهب عقدي محدد، ومنهج عملي محدد، ومذهب فقهي محدد في بلد ما عرف التقليد ولا الجمود ولا التعصب، بل بُني على الانفتاح والتسامح، وهذا مصدر قوة لشعبه، سعت كثير من الجهود العلمية والأكاديمية بل السياسية فيه من أجل بناء الفكر المعتدل المتسامح في كيفية بناء الاحترام وفقه الاختلاف، والتأسيس لبحبوحة الفكر لا لضيق الأفق والتعصب والانغلاق، فمثل هذه الدعوات تهدم ولا تبني، وتزيد الفرقة ولا تجمع، وتؤسس لحركات باطنية وتكفيرية ستجلب الدمار لا محالة، لا قدّر الله.
مطلوب من الغيورين على الوطن والإنسان أن نؤسس جميعا لفكر الدولة الديني، المبني على تعظيم الثوابت والجوامع، المتسامح في فرعيات الإسلام، والنصح العام في ضرورة التمسك بالأصلين: الكتاب والسنة، وأهمية بناء قاعدة الفهم، فلا يُفهَم هذا الدين بالأهواء، بل لا بد من فهم عميق لديننا، فبسببه زلت أقدام كثيرة أوردت الأمة عبر تاريخها موارد الهلاك والهزيمة، وبقدر التقائنا على الأولويات وتجردنا من حظوظ النفس يكون التأييد والتمكين والعزة: "إن تنصروا الله ينصركم".
لنترك العصبية للجماعة ونوسِّع آفاقنا فالأمة كلها بحاجة إلى الفهم وأهل الفهم، أما التعصب فهو سيد الجهل والتخلف، فلنراجع أحوالنا ونعيد ترتيب أولوياتنا، ونأخذ بأسباب الرقي فغيرنا وصل ونحن ما زلنا نراوح أماكننا، ولا بد من إرادة سياسية تساند الإرادة الفكرية الشعبية، وإلا ازدادت الهوة والانقسام والتشتت، وهذا لا نريده لأي مجتمع أبدا.

التعليق