"بعض ما علق في الذاكرة"... مذكرات مرضي القطامين

تم نشره في الجمعة 22 أيلول / سبتمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • غلاف الكتاب - (من المصدر)

عزيزة علي

عمان – يقول الراحل مرضي القطامين في مقدمة مذكراته التي جاءت بعنوان "بعض ما علق في الذاكرة"، إنها "تجربة السنين القاسية، بين حياة الفلاحة والمشي على الأقدام للمدرسة وعلى الخيل للامتحان في مدينة بعيدة، بين حاضرة طاغية في القاهرة وسجن بعيد في الجفر، بين تربص بالطيور في الأودية السحيقة وقيادة المظاهرات في الشوارع، بين مراكز متقدمة في الدولة ومزارع بسيطة في الطفيلة، بين كل هذا وذاك، عشت الحياة وعركتني صروفها".
ويحتفي الكتّاب الذين يقدمون لـ"بعض ما علق في الذاكرة" بمناضل قومي وطني، ومرب خرج من رحم الحصاد وشظف العيش، ومن بيوت القهوة وميادين الخيل، مستذكرين القطامين الذي نشأ في تلال الطفيلة، على السفوح التي تنتج الرجولة وتنثرها على الحصادين والرعاة، حيث توزعت حياته بين الساحات والميادين والشوارع والمكاتب؛ فهو فارس وقناص حاذق ومحاور بارع.
ويشير القطامين قائلا "ولدت في بيوت صنفحة في الخامس عشر من شهر حزيران (يونيو)، شهر الحصاد والقمح، في العام 1930، وصنفحة هي عشيرة الحمايدة والأم التالية للقرى التي احتضنتهم فميا بعد".
ويضم الكتاب في ثناياه الكثير من الوقائع التاريخية والعديد من الصور الشخصية والاجتماعية والعملية التي تقع في أربعة عشر فصلا، يتحدث الأول عن محافظة الطفيلة وموقعها الجغرافي وسكانها والعشائر ويتحدث عن نشأة القطامين الأولى، بينما يتحدث الفصل الثاني عن الدراسة في الأردن منذ 1937، إلى 1948، من التعليم الابتدائي والاعدادي والمترك والثانوية.
ويتناول الفصل الثالث دراسة "التوجيهي" في مصر عام 1950، وحصيلة السنة الأولى في القاهرة، في حين يتطرق الفصل الرابع عن الدراسة في جامعة "فؤاد الأول"، فيما يتحدث الفصل الخامس عن العودة إلى الأردن والوظيفة والسجن والإقامة الجبرية من 1955-1961.
ويشير الفصل السادس إلى انتقال القطامين للعمل في الكتب منذ فترة آب (أغسطس) في العام 1961، إلى آب (أغسطس) العام 1966.
أما الفصل السابع؛ فيتحدث عن عمله في وزارة التربية والتعليم منذ العام 1966 إلى عام 1980، بينما يتناول الفصل الثامن العمل خارج وزارة التربية والتعليم، ويسلط الفصل التاسع الضوء على مزارع في الطفيلة.
ويشرح الفصل العاشر مرحلة مؤسسة الموانئ ومؤسسة سكة حديد العقبة، فيما يتطرق الفصل الحادي عشر إلى طلب التقاعد لخوض معركة الانتخابات النيابية عن الطفلة في العام 1989، في حين يتحدث الفصل الثاني عشر عن العمل في القطاع الخاص، وفي الثالث عشر يتناول حياة المتقاعد، ويدون الفصل الرابع عشر ملاحظات متفرقة ومتباعدة.
رئيس الوزراء الأسبق د. عبد السلام المجالي كتب تحت عنوان "كلمة في مرضي القطامين"، قائلا عن القطامين "خرج من رحم الحصاد وشظف العيش، ومن بيوت القهوة وميادين الخيل، فهو معلما حين تلفظ المدارس ابناءها نحو الحقول، وثائرا حين يعلو على هتاف القومية نداء الخبز والعيش".
المجالي تحدث عن أول خطوات القطامين التي كانت في الطفيلة، وأول هتافاته في الكرك، قائلا: "في دمشق والقاهرة والكويت تأصلت تجربته السياسية الحزبية، ولم تمنعه ضوابط الوظيفة وثوابت العمل الحكومي من أن يرفع صوته بالحق والعدل على الدوام، فكان معلما ومدير تربية ومستشارا ثقافيا وعضوا في المجلس الوطني الاستشاري وموظفا من الدرجة الأولى وأبا ومزارعا ومواطنا، في قمة الصفات التي يمكنك أن تصف فيها كل هؤلاء، وبقي في كل مواقعه وأينما ألقت به عصا الوظيفة، فهو يتمتع بخلق الفرسان وشيمتهم الحازمة".
وأشار المجالي إلى اللقاءات التي كانت تتم بينهما عندما كان المجالي وزيرا للتربية والتعليم والقطامين مديرا لتربية العاصمة، مبينا أن القطامين كان: متميزا ومتقدما من المسؤولين، ومن أوائل الذي حملوا على كواهلهم أفكارا متقدمة في القيادة التربوية، فنثر مع جيله العظيم، التعليم والمدارس، وأسسوا قيمة للمعلم وللتعليم، وقدم للوطن أبناء مخلصين وجنودا يحفرون خنادقة.
وتحت عنوان "الأحبة قليلا قليلا ما أقاموا"، كتب الابن د. نضال القطامين يتساءل عن أي رجل سيحدثنا قائلا "أحدثكم عن فتى نشأ بين صنفحة والنمتة والطفيلة، بين القاهرة ودمشق والكويت، فامتطى فيها صهوات جياد العمل الاجتماعي والقومي والتربوي، ليؤسس مبكرا ثقوبا في قلبه الكبير؟".
ويتابع القطامين الابن "عن أي رجل سأتحدث، عن جنوبي استمرأ في الخمسينيات العمل القومي، مناكفة الزعامات التقليدية وترشح للانتخابات وهو فتى لم يتجاوز الخامسة والعشرين؟".
ويوضح الابن الذي كان رفيق ابيه في دروب الحياة قائلا "لطالما حدثتني نفسي بأن الرحلة انتهت بغيابك، غير أني أمضي في الدرب على ضوء من روحك، ويلازمني على الدوام، ضجر الطريق وحيدا، افتقدك كل حين، واعود إليك كلما ادلهمت صروف الدهر، فاستحضرك وأعيد إنتاج اللحظات الجميلة".
فيما كتب د. معن القطامين الابن مقدمة الكتاب، الذي بين أن هذه المقدمة هي عبارة عن قصة بدأت قبل أكثر من عقد ونصف من الزمان حين كان والده في زيارة له في بريطانيا، يقول "كنت دوما استدرجه للحديث عن الماضي، وألح بالسؤال تلو السؤال، كان لدي شوق جامح لمعرفة المزيد عن هذا الرجل، وعن تاريخه المثير، وتاريخ وطننا الأردن الذي تساوى لديه حبه وقسوته عليه، كان أكثر ما يثيرني، الجدية التي يتناول بها التاريخ، ويحاكم بها الأحداث، ويتابع بها المستجدات، كنت أراه محاربا من نوع فريد لا ينثني عن حربه، يزأر كأسد جريح، وهو يتابع السقوط المدوي لهذه الأمة".
ويبن القطامين الابن أنه شعر بأن من حق الجميع أن يطلع على تجربة والده الثرية وآرائه فيما حدث وفيما يحدث، مبينا "كنت أشعر بحرج متزايد، وانا أوشك أن اقترح عليه أن يكتب مذكراته، فهذا قد يعني للكثيرين، أن كاتب المذكرات أيا كان، يكون قد أنهى رحلته ووضع قفازات القتال جانبا، ويستقبل من أيامه أقل ما يودع منها. ولكن ممانعة الوالد لم تكن لهذه الأسباب، بل لأنه وكما قال لي ذات مرة ( لم يصنع شيئا يستحق أن يكتب عنه)".

التعليق