عن الطلبة المهاجرين والطبقة الوسطى

تم نشره في الخميس 21 أيلول / سبتمبر 2017. 11:10 مـساءً

هنالك حديث في الأعوام الماضية في أكثر من مناسبة عن هجرة معاكسة من المدارس الخاصة إلى الحكومية. لكن العام الحالي أقرّ وزير التربية والتعليم في أنّ حجم الطلاب المنتقلين من الخاصة إلى الحكومية لم يكن متوقعاً، أي أنّه تجاوز المعدل، ووفقاً للتقارير الإعلامية فقد أربك الوزارة بصورة كبيرة.
الأرقام هذا العام كبيرة، وما تزال في نمو، لأنّ الوزارة غيرت إجراءات الانتقال من الخاصة إلى الحكومية، فأصبحت العملية أكثر سهولة ومرونة، لا يحتاج ولي أمر الطالب إلى المرور إلى مديرية التربية، بل فقط من مدير مدرسة إلى أخرى، ولم يتم تقييد أولياء الأمور بوقت محدد، فأصبح الباب مفتوحاً، لذلك ما يزال رقم المهاجرين من الخاصة إلى العامة في ازدياد، حتى أمس، وفق ما أخبرني به الزميل وليد الجلاد، الناطق الإعلامي باسم وزارة التربية والتعليم.
ووفقاً للجلاد، فإنّ عدد المنتقلين في 17 مديرية (من أصل 42) حتى الأيام الماضية، وما يزال الرقم بازدياد، وصل إلى قرابة 23 ألف طالب، فقط من الخاصة، إذا استثنينا الوكالة، بانتظار الرقم الكلي لكل المديريات وحتى نهاية الانتقال، لنقارنه بالأعوام السابقة.
ما هي الدلالة؟ هل هي قفزة في نوعية التعليم الحكومي، مفاجئة، خلال العام الحالي، أو الأعوام الأخيرة، الجواب للأسف: لا، فلا يوجد أي مؤشر ودليل عليها، بل على النقيض من ذلك تماماً، هذه الهجرة مع الأشقاء اللاجئين السوريين زادت الضغط على المدارس الحكومية بصورة استثنائية، ووصل العدد في نسبة منها إلى معدل 50 طالباً في الصف الواحد، ما يؤثر جوهرياً على العملية التعليمية بأسرها.
السبب، بالتأكيد، اقتصادي ومرتبط بنيوياً بالضغوط التي تتعرض لها الطبقة الوسطى، وأغلبها كان يفضل المدارس الخاصة على الحكومية، لأسباب عديدة مبررة ومنطقية، لكن مع تراجع القدرة الشرائية للدينار، وبالتالي القيمة الواقعية لدخل الأسرة، فلم يجد كثير منهم إلا تذوق كأس المرارة ونقل أبنائهم إلى المدارس  الحكومية مكرهين وليسوا مختارين.
شخصياً، التقيت كثيراً ممن نقلوا أبناءهم وهم يشعرون بقلق من قدرتهم على التأقلم والتكيف مع المدارس الحكومية، وليس المقصود فقط هنا العملية التعليمية، بل البنية التحتية والمرافق أيضاً، فهناك – على العموم- فروق ملحوظة في هذا الجانب.
الأصل، كما تعلمون، أن تكون المدارس العامة الحكومية هي الاساس، لكن ليس حباً من قبل الطبقة الوسطى، ونحن منها، في استنزاف دخلها في التعليم، تلجأ إلى التعليم الخاص، بل رغبة في تعليم نوعي، وفي بيئة صحية، مع الاعتراف بتدهور سمعة المدارس الحكومية خلال العقود الماضية، على أكثر من مستوى.
لكن، كما ذكرنا في مقال سابق، فإننا نتوهم إنْ ظننَّا أن الحكومة قادرة على وضع موارد مالية جديدة أو إضافية في العملية التعليمية، وأغلب موازنة الوزارة تذهب إلى رواتب المعلمين. إذاً ما البديل وما هو الخيار المتاح، مع عدم قدرتنا على الاستمرار في مسلسل دفع مبالغ هائلة على التعليم الخاص، وأتحدث باسم الطبقة الوسطى؟
على صعيد المناهج وتدريب المعلمين هناك اهتمام استثنائي من قبل الدولة بالموضوع، وأنا متأكد أننا أمام عملية بدأت بالفعل بهذا الخصوص، لكن على صعيد البنية التحتية والموارد، وتأهيل المدارس، وتحسين دخل المعلمين لمساعدتهم على تطوير قدراتهم والتفكير جدياً بالعملية التعليمية، فما تزال هنالك فجوة ملموسة.
أعتقد أنه آن الآوان للتفكير جدياً من قبل الطبقة الوسطى والمجتمع المدني والأهلي في الدفاع عن مصالحهم وحمايتها، ومن بينها تطوير التعليم الحكومي، بوصفه الأصل، وبالاهتمام أكبر بهذا الجانب، بدلاً من الهروب إلى القطاع الخاص، الذي يستنزف الموازنة الأسرية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاقتصاد علوم انسانية مش علوم مصرفية (بسمة الهندي)

    الجمعة 22 أيلول / سبتمبر 2017.
    برافو عليك استاذ محمد، هكدا يجب قراءة السياسات الاقتصادية الفاشلة للقرار الرسمي مش مصطلحات صماء كالتي يلقيها علينا وزير المالية الذي يصر على أن لا يرى الصورة الشاملة أو الأدق يصر على أن لا يفهم اقتصاد كعلم أو فرع من فروع العلوم الانسانية. مأساة !