عيسى الشعيبي

حزب المتشائلين (تحت التأسيس)

تم نشره في الخميس 21 أيلول / سبتمبر 2017. 11:04 مـساءً

لعل أكثر الاسئلة التي طرحها على مسامعي اصدقاء ومعارف مختلفي الاهواء، وأشدها مدعاة لسوء الفهم والظن خلال الايام القليلة الماضية، كان السؤال المتعلق بتوقعاتي الشخصية حيال ما يبدو انه اعلان نوايا يخص انهاء حالة الانقسام الفلسطيني. حيث كان عليّ في كل مرة ان اغالب شكوكي، حتى لا أبدو كمن يخرّب الزفة، في الوقت الذي يميل فيه السائلون الى سماع وجهة نظر متفائلة بقرب نهاية وضع شاذ، أضعف القضية الفلسطينية كما لم يضعفها اي شيء آخر عبر السنوات العشر الاخيرة.
خشية من الإسهام في زيادة نوبة التشاؤم السائدة في هذه الآونة، وتجنباً لتعميق حالة الكآبة المتفاقمة بين المتطلعين الى رؤية بصيص امل في نهاية النفق الطويل، وجدت ان افضل موقف يقارب هذا الموضوع بحذر، وينطوي على نوع من الاستدراك المسبق، أخْذُ موقف وسط بين المتفائلين والمتشائمين ازاء بارقة امل طال انتظارها، لاحت في الافق المسدود بعد استعصاء مديد، الا وهو موقف المتشائل، الذي يفتقر الى اليقين، وتستبد به الهواجس، وينحو منحى الراغب في عدم إغضاب أحد من محاوريه.
معلوم ان هذه المفردة المشتقة من معنيين متضاربين، هي من ابداع الروائي الفلسطيني الراحل اميل حبيبي، الذي نحتها في عنوان روايته ذائعة الصيت "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" حيث حلت هذه المفردة الهجينة محل العنوان الطويل للرواية، التي ارتقت الى مستوى الملحمة، وصار "المتشائل" هو العنوان الدارج بين المتداولين لها، قراءة وكتابة، قبل ان تنتقل الى العامة، ممن اعجبهم هذا الاشتقاق البديع، ووجدوا فيه مخرجاً مناسباً للهروب من إعطاء اجوبة قاطعة على ما يتعرضون له من مواقف واسئلة خارج الموضوع.
وهكذا، يبدو الجواب المتشائل جواباً ملائماً عن السؤال الاكثر حضوراً في ظل مثل هذه الظروف الملتبسة، فهو من جهة أول جواب يلامس الموضوع المثار دون أن يقتحمه في العمق، ومن جهة ثانية يحفظ للمرء خط الرجعة الآمن، اذا ما أتت الرياح على غير ما تشتهي اشرعة السفينة المبحرة قرب الشاطئ، لا سيما أن الخبرات الشخصية المبنية على تجارب خائبة، تشجع على التموضع في منزلة رمادية بين منزلتي البياض والسواد اللتين لا تناسبان باطنية السياسات الداخلية والخارجية المتغيرة بين يوم وليلة.
وأحسب ان هذه المنزلة الوسطى (التشاؤل) تشكل قاعدة مثالية للتعاطي مع مختلف الشؤون والشجون اليومية المتفرقة، وانها قد تكون صالحة لتكوين أرضية مشتركة بين اكثرية المشتغلين في المجال العام، المكتوين بنيران اللوم والعتب، وربما الغضب، جراء تورطهم المتكرر في اتخاذ مواقف حاسمة، او الاطمئنان لتصريحات عابرة، سرعان ما يكتشفون، بعد فوات الوقت دائماً، انهم كانوا محل خديعة، او موضع استغلال لحسن النية، خصوصا اذا ما ترتبت  على ذلك ورطة هنا او مساءلة هناك، حتى وان ظل الامر محصوراً في نطاق الاعتبارات الاخلاقية والضميرية، التي تقع في المرتبة العليا عند المثقفين الحقيقيين.
 على هذه الخلفية، وبما ان اعداد المتشائلين في ازدياد مطرد، بفضل انتشار ادوات المعرفة الحديثة ووسائل التواصل الرقمية المتاحة، توجد اليوم قاعدة اجتماعية عريضة، اوسع واشمل من اي قاعدة جماهيرية اخرى، مؤهلة لتأسيس حزب في الواقع الافتراضي، على غرار حزب أعداء النجاح مثلاً، تحت مسمى "حزب المتشائلين تحت التأسيس" يضم كل من لديه توجس، او في قلبه ارتياب، ازاء ما يُتلى على مسمعه من مواقف وتصريحات، او ما يعرض عليه من ارقام وبيانات، تحتاج الى اختبار قد لا يتحقق في المدى القريب.
  وليس من شك في ان مثل هذا الحزب الافتراضي سيصبح في غد قريب حزباً ذا امتداد واسع وعريض، عابراً للحدود والطوائف والاعراق، يضم في صفوفه مختلف النخب من السياسيين والكتاب والمحللين، دون ان يكون بحاجة الى امين عام او ناطق رسمي، لا سيما وان اكثر المخاطبين بفكرة هذا الحزب سوف يجدون فيه الملاذ الآمن من شر التخمين والارتجال، يقي اعضاءه من مظنة الوقوع في احابيل حياة سياسية عربية متلونة، لا تستقر على حال، وهو ما يجعل كل المتورطين في تحليل هذا الموقف أو ذاك، عرضة الى سلسلة من الاخطاء. 

التعليق