التخطيط لإعادة توحيد الكوريتين

تم نشره في الجمعة 22 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً
  • اجتماع بين ممثلين لكوريا الجنوبية وكوريا الشمالية - (أرشيفية)

لي جونغ-وا*

سيول - وصلت الأزمة النووية الكورية الشمالية التى طال أمدها إلى نقطة غليان وشيكة. ففي تموز (يوليو)، أطلقت المملكة المعزولة صاروخين باليستيين عابرين للقارات، وقادران على ضرب المدن الأميركية الكبرى. ورد مجلس الأمن الدولى بالتصويت بالإجماع على فرض عقوبات اقتصادية جديدة على البلاد، وهى الأكثر صرامة حتى الآن، مما سيخفض ما لا يقل عن ثلث إيرادات صادراتها السنوية. ومنذ ذلك الحين، أطلق الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ-أون والرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديدات متصاعدة ضد بعضهما البعض.
عند هذه النقطة، من المستحيل أن نتنبأ بما سيحدث في شبه الجزيرة الكورية. وفي الوقت الحالي، فإن ما يمكن للمجتمع الدولي فعله هو الاستمرار في فرض مجموعة من العقوبات الاقتصادية والضغوط العسكرية والدبلوماسية في محاولة للوصول بنظام كيم إلى طاولة المفاوضات. ولكن، في الوقت نفسه، ينبغي لنا أن ننظر إلى جميع الاحتمالات، ونستعد لها، من الصراع العسكري إلى إعادة التوحيد السلمي لكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية.
لا شك أن أكثر السيناريوهات كارثية سيكون صراعاً عسكرياً. ومع ذلك، فإن هذا الاحتمال قد ازداد  قوة بالفعل، بسبب إعلان إدارة ترامب مؤخراً أنها تنظر في خياراتها العسكرية، بما في ذلك "الحرب الوقائية".
والحقيقة هي أن الضربة الاستباقية بعيدة عن الحل العملي. وليس من الواضح على الإطلاق أن مثل هذا النهج سيؤدي إلى نزع السلاح النووي في كوريا الشمالية أو إسقاط نظام كيم. وسوف يكون التصعيد إلى مواجهة مسلحة بين الولايات المتحدة والصين، مع احتمال الحرب النووية، أسوأ نتيجة ممكنة.
سوف يعاني الكوريون الجنوبيون، الذين يقعون ضمن نطاق أسلحة كوريا الشمالية، بشدة من انتقام نظام كيم ضد الضربة الأميركية. ولوضع هذا الرد في المنظور، قتلت الحرب الكورية في الفترة 1950-1953 أكثر من مليوني كوري، فضلاً عن 36.000 أميركي و600 ألف جندي صينى، ولم تُستعمل فيها الأسلحة النووية.
على أتباع النهج الأكثر أمناً وعملية التركيز على تشديد العقوبات الاقتصادية والسياسية على كوريا الشمالية. ومما لا شك فيه أن البعض يقول إن العقوبات الاقتصادية، مهما كانت قاسية، لن تكون كافية لإجبار قادة كوريا الشمالية على التخلي عن أسلحتهم النووية. فبعد كل شيء،، أوقف كل من صدام حسين والعقيد الليبي العقيد معمر القذافي برامجهما للحصول على أسلحة الدمار الشامل، إلا أن تم خلعهما من السلطة وبعد ذلك إعدامهما.
بالنظر إلى الخطر الذي ينطوي عليه الحل العسكري، فإن الضغط الاقتصادي والسياسي الأكثر قوة يظل أفضل رهان للمجتمع الدولي من أجل نزع فتيل التهديد النووي لكوريا الشمالية، سواء من خلال إجبار نظام كيم على التخلي عن برنامجه أو عن طريق انهيار النظام. وتشكل العقوبات التي فرضها مجلس الأمن الدولي خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها لا تكفي لأنها لا تحظر إمدادات النفط الى كوريا الشمالية على ما يبدو بسبب المعارضة الصينية والروسية.
في الواقع، على الرغم من أن الصين وافقت على العقوبات، فإنها ما تزال مترددة في تفاقم العلاقة المتوترة أصلاً مع  كوريا الشمالية. وهذا يجب أن يتغير. وسوف يشكل التعاون الأميركي- الصيني الأقوى أمراً ضرورياً إذا ما أريد أن تتاح للعقوبات فرصة العمل. ولن يؤدي تجنب هذا التعاون سوى إلى نتيجة مدمرة -سواء كان ذلك صراعاً عسكرياً أو انهياراً غير منظم لنظام كيم -على الأرجح.
ما يزال من الممكن إقناع الصين بأن تضطلع بدور أكثر فعالية في تقييد نظام كيم. وفي الواقع، يمكن أن تضر عدم موافقتها بعلاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وكوريا الجنوبية، وكلهم في النهاية شركاء أكثر قيمة من كوريا الشمالية المنكوبة والفقيرة.
ولكن، حتى تبذل الصين مزيداً من الجهد، فإنها تحتاج إلى تأكيدات بأنها لن تفقد فوراً حاجزها الاستراتيجي فى شبه الجزيرة الكورية. ومن هنا تأتي الحاجة إلى اتفاق الآن بشأن كيفية معالجة الانهيار المحتمل لنظام كيم، وإعادة توحيد شبه الجزيرة الكورية. ومثل سقوط حائط برلين، يمكن انهيار نظام كيم فجأة. لذلك يتعين على الصين أن تعرف الآن أن كوريا مُعادة التوحيد لن تكون عدوها، وأن الولايات المتحدة ستسحب قواتها المتمركزة حالياً في كوريا الجنوبية.
وبطبيعة الحال، تتجاوز آثار النظام المنهار في كوريا الشمالية بكثير المصالح الإستراتيجية للصين. وسيكون له أثر اقتصادي وسياسي كبير في جميع أنحاء المنطقة. وهو السبب الأكثر أهمية لوضع خطة شاملة لضمان الانتقال السلمي.
كنتُ قد أجريتُ مؤخراً تقييماً كمياً للآثار الاقتصادية للتوحيد على كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية في ظل العديد من السيناريوهات الافتراضية، بافتراض الانهيار المفاجئ لكوريا الشمالية. وكما اتضح، فإن عملية التوحيد التي تدار سلمياً، والتي تتميز بالإصلاح الاقتصادي الشامل والانفتاح، يمكن أن تساعد كوريا الشمالية على تحقيق نمو مستمر في الناتج المحلي الإجمالي من رقمين، على الرغم من التباطؤ الحاد بعد الانهيار مباشرة.
وسيكون مفتاح النجاح هو السماح لكوريا الشمالية بالاستفادة من مواردها البشرية والطبيعية الوفيرة نسبياً، بما في ذلك احتياطيات المعادن الغنية، لتحقيق التصنيع الذي يقوده التصدير. أما بالنسبة لكوريا الجنوبية، فيمكنها مع الإعداد الكافي، والسياسات الفعالة، والمزيد من الموارد المالية، إدارة إعادة التوحيد السلمي والتخفيف من الآثار السلبية للصدمة.
وعلى النقيض من ذلك، في السيناريو الذي لا تريد  فيه كوريا الجنوبية إعادة التوحيد، سرعان ما سيذوب الشمال في حالة من الفوضى، وستتصاعد المخاطر في شبه الجزيرة الكورية  بشكل حاد، وستتأخر الإصلاحات. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى استمرار ضعف الاستثمار ونمو الناتج المحلي الإجمالي في شبه الجزيرة الكورية، مما سيتسبب في انخفاض الناتج المحلي الإجمالي في كوريا الجنوبية بأكثر من 3 % في السنوات الأولى من الأزمة. ومن شأن تدفقات المهاجرين من الشمال أن تفاقم المخاطر، مما قد يعرقل أسواق العمل في كوريا الجنوبية ويسبب اضطرابات اجتماعية.
في الوقت الراهن، ينبغي للمجتمع الدولي، بما في ذلك الصين، أن يواصل دفع كوريا الشمالية إلى التخلي عن أسلحتها النووية ومواصلة الإصلاحات الاقتصادية باستخدام عقوبات اقتصادية أقوى من أي وقت مضى. ومن ناحية أخرى، يتعين على كوريا الجنوبية مواصلة جهودها لاستئناف الحوار مع الشمال حول القضايا الانسانية والصحية والبيئية. فالتبادلات المدنية وتدفقات المعلومات يمكن أن تعزز القوى التي من شأنها إحداث تغيير أساسي من الداخل.
وحتى بعد انقضاء 70 عاماً من الانقسام، يجب على الكوريين الجنوبيين ألا يتخلوا عن الأمل في إعادة التوحيد السلمي مع إخوتهم في الشمال. بل على العكس من ذلك، يجب التخطيط لها.

*أستاذ الاقتصاد ومدير معهد البحوث الآسيوي في جامعة كوريا، كبير الاقتصاديين ورئيس مكتب التكامل الاقتصادي الإقليمي في بنك التنمية الآسيوي، وكان مستشاراً كبيراً للشؤون الاقتصادية الدولية للرئيس الكوري الجنوبي السابق لي ميونغ باك. كتابه الأخير، الذي شارك في تأليفه مع روبرت ج. بارو في جامعة هارفارد، هو "مسائل التعليم: مكاسب التعليم العالمي من القرن التاسع عشر إلى القرن الحادي والعشرين".
*خاص بـ" الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق