لماذا سمحت الولايات المتحدة بمرور حر لقافلة من مقاتلي "داعش"

تم نشره في الجمعة 22 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً
  • الدخان يتصاعد من مدينة دير الزور الخاضعة لـ"داعش" التي تهاجمها مجموعة من الجهات في سورية -(أرشيفية)

رود نوردلاند؛ وإريك شميت - (نيويورك تايمز) 15/9/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

احتاج الرجل إلى قضاء حاجته، فهبط من الحافلة إلى هواء الليل في الصحراء السورية. وكانت الحافلة جزءاً من قافلة تقل 300 مقاتل من "داعش" كانوا عالقين هناك لأيام، حيث حالت القاذفات الأميركية دون تمكنهم من التقدم، ومنعهم عنه وجود نساء وأطفال بينهم خشية التعرض للقصف.
سار الرجل مسافة قصيرة من الحافلة وشرع في التبول. لكن صاروخا أميركياً من طراز "هيلفاير" أنهى مغامرته.
وفق التقرير العسكري الأميركي، فقد مات 20 من مقاتلي "داعش" على هذا النحو.
كانت عمليات القتل تلك من بين جوائز المواساة التي أعلن عنها الأميركيون بعد مرور أسبوعين من المواجهة، على نحو ناقض تعهداً بعدم السماح للمتشددين بالمرور أبداً، ومسفراً عن نصر تكتيكي لتنظيم "داعش".
يقول مسؤولون أميركيون أن القرار بالانسحاب كان نتيجة لتبادل معقد من الأولويات والتصريحات المتعارضة، ويتحدث عن نوعية أرض المعركة التي تشكلها سورية، حيث ثمة رقعة شطرنج ثلاثية الأبعاد ولاعبون عديدون يغيرون الإستراتيجيات باستمرار، وحيث يتم استغلال الفرص والتخلي عنها بسرعة.
يقول توماس جوسلين، الزميل الرفيع في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن: "الحقيقة هي أن الحرب مضطربة وفوضوية. كل شيء فوضى حول من يمتلك الحق في عمل ماذا في هذه المرحلة في سورية".
كان الأميركيون يشعرون بالغيظ من هذه القافلة منذ البداية. وقد أبرم "داعش" صفقة مع الحكومة السورية وميليشيا حزب الله الحليفة من أجل السماح للمقاتلين وعائلاتهم بمرور آمن عبر سورية من الحدود اللبنانية إلى غرب المناطق التي يسيطر عليها "داعش" في شرقي سورية والعراق.
وخلال أيام، أحدثت الضربات الجوية الأميركية حفراً في الطريق السريع أمام القافلة، وجعلتها تقف في مكانها. وتعهد مسؤولون أميركيون بعدم السماح للقافلة بالمرور أو للمقاتلين بالعودة إلى ميدان المعركة.
وقال بريت مكغورك، المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى الائتلاف المعادي لـ"داعش": "سوف يساعد ائتلافنا في ضمان عدم دخول هؤلاء الإرهابيين إلى العراق أو الهروب مما تبقى من خلافتهم المترنحة".
لكن ذلك الخط الذي رسمه الأميركيون في الرمال مُحي مع اتصال هاتفي جاء من المقر العسكري الروسي في سورية إلى المقر الأميركي في بغداد، حيث طلبت روسيا من الولايات المتحدة إيقاف الطلعات الجوية الاستطلاعية فوق القافلة. وهو ما عرف كلا الجانبين أنه تطور يسمح للقافلة بالمضي قدماً.
وكان ذلك الطلب جزءاً مما يصفه العسكريون بـ"خفض الصراع"، وهي عملية تهدف إلى ضمان عدم اصطدام القوات السورية المدعومة روسياً وقوات سورية الديمقراطية المدعومة أميركياً بعضها البعض عن غير قصد بينما يحاول الجانبان قتال "داعش".
كان التعاون مع الروس مهماً بالنظر إلى أن القوات المدعومة روسياً والقوات المدعومة أميركياً أصبحت تضيق الخناق بشكل منفصل على مدينة دير الزور التي تقع ضفة نهر الفرات، وحيث ينفذ كل جانب غارات جوية متعددة في المنطقة.
 بالإضافة إلى ذلك، كان قد تم تثبيت القافلة بالقرب من بلدة السخنة، في مكان عميق داخل الجانب الروسي من خط خفض الصراع في المنطقة المخصصة لعمل الطائرات الروسية بموجب اتفاقية أميركية روسية طويلة الأمد.
وقال السيد جوسلين: "الطريقة التي عمل بها خفض الصراع عكست حقيقة أن هناك مناطق معينة يكون للروس فيها اليد العليا فيما يحدث".
ولم ترد الولايات المتحدة قطع عملية سوف تحتاج إلى الاعتماد عليها لاحقاً. ولذلك وافق الأميركيون على الطلب، فتحركت القافلة إلى داخل أراضي "داعش" في وقت متأخر من ليلة الأربعاء قبل الماضي ووصلت إلى بلدة الميادين بعد 17 يوماً من خروجها من الأراضي اللبنانية.
 ويوم الخميس التالي، انطلقت أبعد جنوباً إلى البوكمال على الحدود العراقية. ومع حلول يوم الجمعة، عبرت أجزاء من القافلة إلى داخل بلدة القائم العراقية في غربي محافظة الأنبار، وهي منطقة يسيطر عليها "داعش" أيضاً، مما أثار غضب المسؤولين العراقيين.
ومع الوقت الذي قُدم فيه الطلب الروسي، كانت المواجهة بسبب القافلة قد بدأت في إفراز عوائد متناقصة بالنسبة للولايات المتحدة. وقال الكولونيل ريان ديلون، الناطق بلسان الائتلاف الذي تقوده الولايات المتحدة، إنهم كانوا أصلاً قد قتلوا أعداداً كبيرة من مقاتلي "داعش"، حيث تحولت الحافلات المتروكة إلى مهرجان رماية "غير متوقع".
 بينما كان "داعش" يرسل على نحو متكرر منقذين على الطريق السريع الوحيد المفضي إلى القافلة، استطاعت الطائرات الحربية الأميركية والطائرات المسيرة المسلحة التقاطهم "بسهولة" كما قال الناطق. وجعلت تكنولوجيا الرؤية الليلية حتى من استراحات قضاء الحاجة عند منتصف الليل أمراً محفوفاً بالمخاطر.
وقال الكولونيل ديلون أن الجميع قالوا إن الضربات الجوية الأميركية دمرت 40 عربة إنقاذ تابعة لمجموعة "داعش"، وقتلت 85 مقاتلاً، بعضهم من القافلة، وآخرين من المنقذين المفترضين.
بينما تمددت المواجهة من أيام إلى أسابيع، كان الجيش الأميركي قلقاً أيضاً من الأخبار السيئة عن مأزق المدنيين العالقين في الحافلات. وعلى الرغم من إيصال الغذاء والماء إلى القافلة، كانت درجات الحرارة عالية في الصحراء. وقبل انتهاء المواجهة كان ثلاثة أطفال قد ولدوا في الحافلات، وفق ما ذكره مسؤول رفيع في حزب الله في سورية. وقال الكولونيل ديلون أن هذا لم يكن السبب الرئيسي وراء الانسحاب، لكنه كان أحد العوامل.
طيلة المواجهة، ظل الأميركيون مقيدين بسبب تواجد الكثير من المدنيين في القافلة -أكثر من 300 طبقاً لحزب الله. وإذا كان المتشددون قد قصدوا استخدامهم كدروع بشرية، فإن هذه الإستراتيجية أثبتت فعاليتها.
في الأثناء، كان حزب الله والحكومة السورية قلقين أيضاً من احتمال مرور القافلة. وبالنسبة لسورية التي تكتَّم إعلامها على أخبار القافلة، كان من المحرج رؤية القافلة عالقة في منتصف البلد، كما علق حتى العديد من السوريين الموالين للحكومة على وسائل التواصل الاجتماعي.
كان حلفاء حزب الله وداعموهم الإيرانيون الذين أرادوا من "داعش" أن يفرج عن الأسرى وأن يعيد جثث القتلى من مقاتليهم. ونتيجة لذلك، ضغطت الحكومة السورية وإيران على روسيا لإغلاق الملف مع الأميركيين، وفق ما ذكره مسؤول رفيع من حزب الله.
وقال السيد جوسلين: "كانت هذه هي الصفقة لإخراج مقاتلي ‘داعش’ إلى خارج منطقة الحدود اللبنانية. والحقيقة هي أنها حتى القوات المدعومة من الولايات المتحدة عقدت صفقات مشابهة. وقد عقد حلفاء روسيا، إيران ونظام الأسد وحزب الله، هذه الصفقة. وربما أرادوا التقيد بالصفقة لأنهم يريدون أن يكونوا قادرين على عقد صفقات أخرى في المستقبل".
مع وصول القافلة إلى منتصف وادي نهر الفرات تبتعها المعركة إلى هناك. وقال الجيش الأميركي أن الضربات الجوية الأميركية قتلت في الأسبوع الماضي قائدين كبيرين من "داعش". وقال الكولونيل ديلون أن الضربات الجوية الأميركية قتلت قائدين كبيرين من "داعش" ودمرت مستودعات للأسلحة وأهدافاً عسكرية أخرى في بلدتي الميادين والبوكمال.
وفي مدينة القائم، على الجانب العراقي من الحدود، قال مواطنون تم الاتصال بهم هاتفيا أن مقاتلي داعش بدأوا في التسرب إلى داخل البلدة والإقامة في منازل فارغة. وقال أحد السكان الذي كشف عن اسم عشيرته فقط، السلماني، خوفاً من انتقام "داعش": "سمعنا أنهم جاؤوا بفضل الصفقة التي تم التوصل إليها مع حزب الله".

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Why the U.S allowed a convoy of ISIS Fighters to Go Free

التعليق