إبراهيم غرايبة

مدن القلّة ومدن لجميع المواطنين

تم نشره في السبت 23 أيلول / سبتمبر 2017. 12:09 صباحاً

تدور اليوم نقاشات طويلة ومتشعبة في الطبقة الوسطى أو متوسطي الحال، هل نضحي بأنفسنا وراحتنا لأجل أن نوفر لأبنائنا تعليماً متقدماً؟ أو لنوسع خياراتهم في المستقبل ونساعدهم على المشاركة في حياة مستقبلية بأدوات ومدخلات مناسبة وكافية، وهنا يمكن أن ينشأ مجال واسع لاختراعات في تعليم الأطفال وتنشئتهم بلا تكلفة كبيرة أو بتكلفة نقدر عليها، وهذه ميزة الطبقة الوسطى التي يجب أن تحافظ عليها الدول والمجتمعات والشركات، ففي وعيها وإدراكها الواضح لاحتياجاتها تساعد الطبقة الوسطى الحكومات والمجتمعات والشركات على تدبير الموارد وتفعيلها وتقليل الهدر ومواصلة الإبداع والتطور، وفي المقابل فإن الطبقة الوسطى في تقليدها للطبقات الغنية وفي محاولتها إقحام/ إشراك أبنائها في تنافس على التعليم والفرص مع أبناء الطبقات الغنية فإنها تدخل في معركة استنزاف لا تؤدي إلى الحصول على تعليم أفضل ولا تحقق سوى مزيد من الأرباح لمقاولي التعليم، لكن تجمّع الطبقات الوسطى وإعادة تنظيم نفسها على أساس تطوير الخدمات الحكومية في التعليم والصحة وتفعيلها والرقابة عليها والعمل التطوعي والمشاركة لرفع مستوى التعليم والصحة يمكن أن يؤدي إلى نتائج جيدة، ويحمي التعليم والصحة من تحولهما إلى مقاولات فجة وبسطات ودكاكين.
ثمة فرصة اليوم لتطوير مدننا على نحو يحقق الاحتياجات والأولويات الأساسية، وفي ذلك فإن نبوءة لويس ممفورد مؤلف كتاب المدينة على مر العصور والتي أطلقها في خمسينيات القرن العشرين أن المدينة ينتظرها دور أعظم مما كان لها في الماضي يبدو أقرب إلى الحقيقة من أي فترة مضت، فالمدن مرشحة لترث الدولة، أو أن البشرية متجهة للعودة إلى عصر المدن المستقلة بنفسها، ففي تغير دور الدولة المركزية وما تواجهه من تحديات في إدارة الموارد والضرائب التي تجمعها، وفي الوقت نفسه نشوء فرص للناس أن يديروا بأنفسهم شؤونهم وخدماتهم الأساسية بكفاءة افضل وبموارد أقل مما يدفعونه من ضرائب يذهب معظمها هدرا أو بعيدا عن احتياجات الناس وأولوياتهم يعود عصر المدن من جديد. ذلك أن مبرر قيام السلطة السياسية مستمد من إدارة الموارد بكفاءة وعدالة، ولأجل ذلك تنازل لها الناس عن أموالهم وحرياتهم!
وبمقدرة الناس اليوم على المعرفة والاستقلال فإنهم يكتشفون الخواء الذي تديره النخب والسلطات التي جاءت بها الدول الحديثة والثورة الصناعية، وكيف تحول هذا الخواء إلى استعلاء على العمل الأساسي الذي تتشكل حوله حياة الناس، ثم تحول التعالي إلى تسوّل، فليس سوى تسول العمل الذي لا يحسن حياة الناس او لا يضرّ غيابه بحياتهم، لأنه وببساطة يتشارك المواطنون ويندمجون في حياتهم وأعمالهم واعتمادهم على بعضهم في ذلك، فتتشكل القيم والقيادات الاجتماعية والسياسية وأساليب الحياة والذوق الرفيعة التي تحسن هذه الحياة أو ما نسميه التمدن، وفي المقابل فإن التسول ينشأ حول الانفصال عن حياة الناس وأعمالهم، سواء كان هذا الانفصال بسبب التهميش والضعف أو بسبب الاستعلاء والعجرفة، .. ولم يكن اكتشافا أن وفرة المال لا تحقق بالضرورة التنمية أو تحسين الحياة، فلا يمكن للمال المتأتي من التسول أن ينشئ غير اقتصاد التسول ومجتمعات ومدن التسول، لكن ذلك لم يكن سوى لعب في الوقت الضائع، وتواطأت المجتمعات والنخب على عدم المعرفة مؤملة ألا تواجه الحقيقة أو أن تؤجل ذلك على الأقل.
يقول لويس ممفورد مفسرا انهيار الحضارة الهيلينسية بأن مدنها لم تعد مسرحا لدراما ذات أهمية بارزة يقوم فيها كل فرد بدور وينطق بكلمات ذلك الدور، بل أصبحت مكانا فخما لعرض مظاهر القوة، وكانت بمثابة ستار يخفي نظاما شاملا من التنظيم والاستغلال، وما ظهر على أنه تخطيط للمدن كان من قبيل الأكاذيب المعسولة والأباطيل الخداعة التي يطلق عليها اليوم في الاقتصاد الأميركي اسم العلاقات العامة والإعلان، .. والحال أن الإصلاح بما هو الصراع مع الأوليغارشيا ليس سوى استقلال المدن والمجتمعات.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا تتحمل دولة صغيرة بلا موارد بذخ إنشاء سلطة اقتصادية خاصة في جزء منها (تيسير خرما)

    السبت 23 أيلول / سبتمبر 2017.
    لا تتحمل دولة صغيرة بلا موارد بذخ إنشاء سلطة اقتصادية خاصة في جزء منها، فيجب إلغاء سلطة العقبة الاقتصادية الخاصة وكل قوانينها ومؤسساتها وكوادرها وامتيازاتها وإعفاءاتها وصولاً لإعادة كامل منطقة العقبة إلى سلطة الدولة وقوانينها ومؤسساتها وكوادرها أسوةً بباقي أجزاء الأردن، وسيوفر ذلك على الدولة أكثر من مليار دولار سنوياً بما في ذلك زيادة الإيرادات وتقليل المصاريف والتهريب وهو ما يساوي المساعدات السنوية من أمريكا للأردن.