عادل إمام: يغيب سينمائيا وتبقى جدلياته قائمة

تم نشره في الأحد 24 أيلول / سبتمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • عادل إمام - (ارشيفية)

رشا سلامة

عمّان- يغيب الممثل المصري عادل إمام عن سينما الصيف للعام السادس على التوالي، لحساب تقديم عمل تلفزيوني رمضاني منذ العام 2012 تقريباً، ما ترك فراغاً ملحوظاً.
لا يعود الفراغ المذكور لكون إمام يعدّ نجماً مخضرماً فحسب، بل لأهمية ما يقدمه لدى من يربطون بين رسالة العمل السياسي من جهة وتوجّه النظام المصري في تلك المرحلة من جهة أخرى، وهو ما لا يعدّ متاحاً بشكل مترابط ومكثف في المسلسل الرمضاني، بقدر الفيلم السينمائي، الذي كان يحشد له طاقات ومؤهلات على درجة من الأهمية مع حملة بروباغندا طاغية تسبقه.
مؤخراً، بات من الصعب تمييز مسلسلات إمام عن بعضها البعض، ليس للترهّل الذي يسم معظم الأعمال الرمضانية فحسب، بل لهاجس إمام الدائم، والظاهر في مسلسلاته كلها، في حشد أكبر عدد ممكن من الأطراف: الموالاة والمعارضة، والديانات السماوية، والأقطاب الدولية، على السواء.
على الرغم من ذلك، بقي إمام طوال هذه الأعوام يشكّل ظاهرة فنية عربية على قدر عالٍ من الأهمية لاعتبارات عدة منها ما هو جدلي بامتياز.
إمام سياسياً
بون شاسع يفصل بين صورة إمام وهو يخرق الحصار الإسرائيلي عن بيروت في العام 1982؛ ليشدّ من أزر اللبنانيين والفلسطينيين العالقين تحت القذائف، وبين تبريراته التي ما انفكّ يُطلِقها، في الأعوام الأخيرة، دفاعاً عن موقف النظام المصري من حصار غزة.
وهو إمام ذاته، الذي كان يعدّه الكادحون في العالم العربي، وليس مصر فحسب، ناطقاً باسمهم في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ليصبح، منذ مطلع الألفية، البرجوازي الذي لا يرتضي أقل من قصر فاره وسيارات "آخر نمرة" لتصوير أعماله الجديدة.
صورة متناقضة تلك التي اكتشفها الجمهور العربي لدى إمام، بمجرد اندلاع الثورة المصرية في العام 2011؛ إذ في وقت كان يتظاهر لأعوام بانتقاده النظام من خلال "أفيهات" لاذعة، فإنه سرعان ما انحاز للرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك، مهاجِماً المتظاهرين ضدّه.
حاول إمام تدارك الأمر عند سقوط حُكم مبارك في 11 فبراير من العام نفسه، قائلاً بأنه كان ضد الفساد والاستبداد، وبأنه مؤمن بالشباب المصري وقدرته على التغيير.
وقلّما يدَع إمام حدثا عربيا أو عالميا يُفلِت منه، من دون تصريح فوري رنّان، حتى باتت الجماهير تترقّب تصريحاته أكثر من أعماله الفنية.
ظهر ذلك جليا، حين لم تكد تخمد موجة الاحتجاجات التي أحاطت بتصريحاته المهاجِمة للثورة المصرية، حتى عاد لولعه السابق في التصريحات حين قال عن الرئيس الليبي معمر القذافي، خلال مواجهته ثورة شعبية لإسقاط حكمه، بأنه "مجنون. وبأن العالم العربي سيخسر ممثلا كوميديا"، وبأنه لا يستطيع النوم من دون حضور خطاباته والضحك عليها.
على الرغم مما سبق، فإن تاريخ إمام الحافل لا يُنسى في السينما المصرية؛ إذ قلّما قدم فيلماً من دون مضمون بالغ الأهمية، ما جعله ينعت ذاته بثقة، ذات لقاء مع الإعلامية هالة سرحان، بأنه أرّخ لحياة المواطن المصري، ولعل هذا  ما شفع له كثيراً كلما احتدم الجدل حول مواقفه السياسية التي كانت تسعى لاسترضاء النظام دوماً، برغم لبوس المعارضة الذي يرتديه، بل إن تلك الأعمال الخالدة من قبيل "الإرهاب والكباب" و"المتسوّل" و"الواد محروس بتاع الوزير" وغيرها ما تزال تشفع له كلّما خرج على جمهوره العربي الواسع بعمل تلفزيوني لا يرتقي لمكانته الفنية، كما بات يحدث في الأعوام الأخيرة؛ إذ انخرط في السباق التلفزيوني الرمضاني على حساب سويّة النص وسلامته من المغالطات التاريخية.
حالة من الإعياء الفني تلك التي وصل إليها إمام؛ إذ بالكاد يعيش أبعاد أدواره، التي اعتاد المشاهد عليه في عقود مضت يعطيها أقصى ما لديه من طاقة. الآن، لا يختلف البيان النفسي لشخصية إمام مهما اختلف العمل؛ إذ هو المسنّ الثري الذي ما تزال الفتيات يتهافتن عليه، والذي لا ينفكّ يتعامل بمنطق أبوي مع الشعب المصري، فيملي عليه قناعاته وينتقده ويرسم سياسته إن اقتضى الأمر.
التناول الديني
بقي إمام مُخلصاً لدأبه السنوي في تناول شخصية المتدين، سواءً كان العمل الذي يقدّمه فيلماً أو مسلسلاً أو مسرحية، وسواءً كان هذا التناول سطحياً أم موغلاً في العُمق قليلاً.
في العام 2017، اختار إمام الزجّ بالشخصية الصوفية في عمله الرمضاني "عفاريت عدلي علاّم"، ما يعدّ فرادة، نوعاً ما، وإن ظَهَر لاحقاً أن هذا الطرح لم يخرج عن تناوله لشخصية المتديّن سابقاً.
الصوفي في مسلسل إمام كان الشيخ صادق الجعفري، الذي يحصد شعبية لدى العامّة، رغم كونه محض كاذب ونصّاب يستدرج البسطاء لأخذ "الحُجُب" التي يصنعها في مقابل تسليمه مبالغاً تفوق طاقتهم المادية.
لا يبدو لمتابع أعمال إمام السابقة أن الطرح الآنف، وإن كان للمرة الأولى يحمل توصيف الصوفية، مختلف عن السياق الذي لم ينفك يتناول شخصية المتدين من خلاله، كمحتال كاذب منافق متلوّن منحرف إرهابي في مرات كثيرة.
حَرِصَ إمام في أعمال سابقة على حضور المتدين ولو من خلال شخصية المأذون الشرعي، حين لم يكن هنالك مبرّر درامي لسوق شخصية الإرهابي، الذي جعله رديفاً لمن ينتمون للأحزاب الإسلامية.
وفي أعمال ماضية، مثل "حسن ومرقص"، مثلاً، كان الطرح الديني رئيساً؛ إذ وقف المسلم إلى جانب المسيحي، بل اقتسم معه البيت، ما جعل إمام يرغب بالحالة أن تنسحب على الشخصية اليهودية، ليقع في مأزق في مسلسله الرمضاني السابق "مأمون وشركاه"، حين أدخل لبيته شخصية يهودية مؤمنة بقيام كيان الاحتلال وحقّ اليهود بالعيش فيه.
ما سبق، لا ينفي أن إمام تمكّن، باقتدار، من تشريح سيكولوجية الإرهابي في عدد من أفلامه، لعلّ على رأسها "الإرهابي"، أي أنه كان قادراً نوعاً ما على تقديم طرح عميق حين كان يبتعد عن التهريج الذي يسم كثيراً من أعماله.
لكن، انتقاد الإخوان المسلمين والتعرّض لصورة المتديّن بطريقة كاريكاتيرية، تجنح لتضخيم العيوب بغية الإضحاك، كان جزءاً من منظومة تعامل إمام مع كل مناوئي النظام المصري، من تيارات يمينية أو يسارية؛ إذ وقفت الشخصية المتدينة بالتوازي مع اليسارية في فيلم "السفارة في العمارة"، على سبيل المثل لا الحصر.
الآنف جزء من لعبة إمام المخضرمة: ينتقد بضراوة التيارات اليمينية واليسارية، على السواء، ليصل بالمشاهِد لنتيجة مفادها أن النظام هو أفضل الموجود حالياً، وإن مرّر بضعة انتقادات خفيفة له، لكنها تشبه لطافة العتب على الحبيب، بين حين وآخر.

التعليق