تقرير اخباري

"إسكانات الفقراء".. قبل أن تتحول إلى بؤر معزولة

تم نشره في الأحد 24 أيلول / سبتمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • إسكان الفقراء جنوب المملكة - (من المصدر)

أحمد أبو خليل

يشعر القاطنون في مساكن الفقراء بتحسن فعلي كبير في ظروفهم السكنية؛ حيث تقيم الأسرة الواحدة الآن في بناء مستقل مساحته 80 مترا مربعا يتوسط مساحة مسورة، مزودة بالكهرباء ومربوطة بشبكة المياه، وذلك بعد أن انتقلوا اليها من ظروف سكنية بالغة السوء في قراهم. وقد اعتمدت تسمية "إسكان الفقراء" لفترة من الزمن، ثم تغيرت التسمية إلى إسكان "المكرمة الملكية"، وقد ثبتت على الطرق العامة لوحات تحمل هذه التسمية وتشير إلى مواقع هذه الإسكانات.
لكننا هنا سنحاول الاقتراب من المجتمع الداخلي لهذه الإسكانات، وهو مجتمع يتشكل من عدد قليل من الأسر، لم ترتبط سابقا بأي علاقات مشتركة جماعية بحكم انتمائها -في أغلب الحالات- إلى قرى متعددة، ويقتصر التعارف المسبق على القادمين من قرية واحدة.
ونظراً لأن الإسكانات أقيمت في مناطق بعيدة نسبيا عن القرى السابقة وفي مواقع مستقلة، فإن على صاحب القرار أن يلتفت الى مظاهر أخرى بدأت تتشكل، ومنها احتمال أن تتحول هذه الاسكانات الى بؤر أو أنوية، لقرى جديدة ذات مواصفات خاصة تضفي على سكانها تمييزا جديدا (سلبياً) على الأغلب.
شمالاً وجنوباً
النموذج الأول لهذه الإسكانات الذي سنتناوله هنا يقع في إحدى محافظات شمال الأردن، وقد أقيم على مرحلتين ابتداء من العام 2005 وهو يضم الآن 22 منزلاً. ووفق النظام المتبع، فإن الأسر تُفوّض باستعمال المنزل، من دون تمليك، وقد أبلغ السكان في البداية أن التمليك سيكون بعد 10 سنوات، ولكن يبدو أن صاحب القرار وجد أنه من الأفضل عدم تنفيذ التمليك، بهدف المحافظة على الهدف من الإسكان، فالتمليك سوف يعني حقوقا ومتطلبات قانونية جديدة، لا سيما وأن الأرض التي أقيم عليها الإسكان تعود للدولة.
تنتمي أسر هذا الإسكان إلى أربع قرى، وقد أقيم في موقع متوسط بين هذه القرى ولكن على مسافة كيلومترات عدة من كل منها.
صعوبة الحياة هنا من نمط خاص، فغالبية البيوت تقطنها أرامل مع أبنائهن، بينما يعاني عدد كبير من الأزواج الأحياء من إعاقات جسدية مختلفة، وهذا يشكل بالنسبة للجميع معاناة إضافية، وهو ما قادهم الى نمط من العلاقات التعاونية أعمق بكثير مما هو حاصل في الظروف الطبيعية؛ إذ يتعين على الرجال المرضى أن يتجاوزوا ظروفهم الصحية الخاصة ويرعوا أحوال باقي الأسر.
دور خاص للمرأة
ولكن النساء يقمن بالدور الأكبر في التنقل لغايات التسوق ومتابعة شتى الشؤون، لا سيما وأن السكان يعتمدون على القرى القريبة في تلبية احتياجاتهم، وهو ما يعني اعتمادا متبادلا بين الأسر في أدق التفاصيل والاحتياجات، لأن نفاد أي سلعة بسيطة يحتاج الى الانتقال لمسافات بعيدة نسبيا للحصول عليها.
لكن إحدى الأسر أقامت في جزء من المنزل دكانا صغيرة لتلبية الاحتياجات اليومية للأطفال خاصة؛ إذ لا تتجاوز قيمة محتويات الدكان مبلغ مائة دينار.
في الإسكان، يتعين على السيدة التي تغادر منزلها أن تبلغ باقي الجيران أو على الأقل الجار أو الجارة الأقرب، ويتطوع من يخرج خارج الإسكان إلى سؤال باقي الجيران إن كانوا يريدون تكليفه بإحضار أو شراء غرض ما.
يرتبط الإسكان بشارع خاص مع الشارع الرئيسي (على مسافة حوالي 3كم)، ولا توجد أي وسيلة نقل تمر من الإسكان نفسه، وهذا يعني أن على طلاب المدارس من أبناء هذه القرى أن ينتظروا على الشارع الرئيسي بينما تم التعاقد مع باصات صغيرة توصل الطلاب الأطفال الى مدارسهم؛ حيث استمر الطلاب يدرسون في مدارس قراهم الأصلية.
تعتمد بعض الأسر على مخصصات صندوق المعونة الوطنية، ويقبض محدثنا مخصصاته من الصندوق ويعيل منه أسرته ذات السبعة أفراد بمن فيهم الأبوان، وهو يعاني من إعاقة حركية منعته من الاستمرار في عمله السابق كعامل مَقْسَم بالمياومة.
مجتمع مفتوح داخلياً
يعيش أفراد الأسر في علاقات مفتوحة فيما بينهم، فهم جميعا من مستوى واحد، وقد أحضرت الأسر أغراضها السابقة الى منازلها الجديدة، وبعضهم قام بزراعة المساحة المخصصة له، ولدى بعضهم بعض الدجاج مما يوفر لهم البيض، وفي أيام الصيف تجتمع كل الأسر رجالا ونساء ويمضون لياليهم أمام أحد المنازل، وفي موسم تجفيف "الجفت" استعدادا لفصل الشتاء تتعاون جميع النسوة في تجهيزه على شكل كرات لتجفيفها.
يفكر السكان بالمزيد من التنظيم لمواجهة ظروفهم وينوي أحدهم فتح دكان لخدمة الإسكان بعد أن يتضاعف عدد سكانه بحكم التوسعة المتوقعة، وهو يخطط لذلك بدقة كونه يعرف تفاصيل حياة شركائه في الإسكان، فأم حسين لديها مشكلة في نظرها وتسكن مع بناتها الخمس، والحاجة "عائشة" لا تستطيع النطق وقد توفي زوجها مؤخرا وأولادها يقطنون بعيدا عنها، والحاجة خضرا تعاني من السكري وتقطن مع بناتها اللواتي يعانين من مشاكل صحية مختلفة، وبالإضافة الى الأسماء يميز بين جيرانه بالرقم المتسلسل للبيت الذي يقطنونه.
يصعب التوقع حول مستقبل مجتمع الإسكان هذا، فنحن أمام تجمع منعزل مكانياً تقريبا عن المحيط وهو مجتمع بلا طبقات ومراتب، ولكنه للآن لا يعاني من عزلة اجتماعية حادة حيث يتواصل الناس مع أقربائهم، وفي الانتخابات النيابية يشاركون بالاقتراع ويزورهم أغلب المرشحين لطلب الأصوات، لكن المستقبل غير واضح وهم لا يعرفون ماذا سيكون موقف القرى مع الزمن فهل سيقطنون قربهم ويتداخلون كحي من الأحياء أم أن تسمية "إسكان فقراء" ستعني لهم عزلة من نوع ما.
إلى الجنوب
النموذج الثاني الذي سنتناوله في هذا التقرير يقع جنوب الأردن، يضم 20 وحدة سكنية تقطنها 20 أسرة تنتمي إلى عشائر القرى المختلفة.
وقد أجريت مقابلة جماعية مع سبعة رجال من أصحاب الوحدات السكنية في الإسكان، وكانت الملاحظة الأولى أن الوضع الصحي للرجال أرباب الأسر مترد بشكل واضح، فجميعهم من المرضى وأصحاب الإعاقات.
والحالة العمرانية للوحدات السكنية غير جيدة، رغم أن تسليم الوحدات لمستحقيها كان العام 2007؛ أي أنها هرمت قبل أوانها، وهناك مشاكل في البناء، وهي تحتاج لصيانة متواصلة. الأسر القاطنة فيها وضعها معدم. هناك مشاكل في تسديد فواتير الكهرباء والمياه. لا يتصل معهم أحد باستثاء "جماعة يقومون بدراسات"! يستمعون بدون تقديم أي جديد. الأطفال مسجلون في مدارس بعيدة نسبياً يضطرون للمشي كيلومترات عدة حتى يصلوا.
شوارع وممرات السكن متردية وغير نظيفة، والبؤس واضح على هيئة الناس وملابسهم وملابس أطفالهم. يتجمعون حول أي قادم إليهم. من الواضح أنه نمت فيما بينهم علاقات جيرة جديدة وجيدة رغم أنهم أصلاً ينتمون إلى قرى وعشائر مختلفة. الحي له منظر خاص بحكم طريقة البناء والألوان المختارة للجدران الخارجية، لكنه قريب من المباني السكنية الأخرى، بمعنى أنه يمكن تمييزه لكنه غير معزول مكانياً مثل بعض الحالات المماثلة في مناطق أخرى.
في هذا الإسكان، كما في حالات أخرى في محافظات أخرى، يمكن القول إنه جرى حل لمشكلة السكن لهؤلاء الفقراء، لكنه حل ظاهري، ونظراً لطبيعة التعاقد مع السكان، فإنهم لا يشعرون أنها بيوتهم، وهم أقرب إلى المستأجرين، فضلاً عن أن مشكلة تدني جودة البناء تتكرر في أغلب هذه المشاريع. بالنتيجة خلقت بؤرة بائسة معزولة، لا تنبئ باحتمال حصول نقلة جوهرية في حياة الأسر في الجيل القادم، لا سيما بالنظر لصعوبة خدمة "التعليم" بسبب البعد عن المدارس، ومن المعروف أن تحقيق التغيير للجيل القادم يرتبط بالدرجة الأولى بالتعليم.

التعليق