علاء الدين أبو زينة

عيشٌ على ذمة الرهن..!

تم نشره في الأحد 24 أيلول / سبتمبر 2017. 12:08 صباحاً

لاحظ أحد المُداخلين على موقع "فيسبوك" أن عدداً كبيراً من الأردنيين يسكنون في شقق تملكها البنوك. وفكرته هي أن الذين يشترون شققاً سكنية بقرض بنكي، يظلون لسنوات طويلة مقيمين في بيت مرهون لبنك يستطيع مصادرته والتصرف فيه لدى التقصير عن الدفع. لكن التهديد المتواصل بفقدان المنزل إذا تعثر العمل ليس كل شيء؛ فغالباً ما يعني قرض السكن أن المواطن يشتري مع شقته "شقة للبنك" على حسابه بطريقة ما. كيف؟
إنك إذا اقترضت ثمن شقة صغيرة 60 ألف دينار مثلاً، فإنك ستدفع المبلغ مع الفوائد على مدى 20 عاماً مثلاً مضاعفاً: نحو 120 ألف دينار. وبذلك، ستعمل 10 سنوات لتدفع ثمن الشقة، وعشراً أخرى لتدفع فوائد القرض. وبذلك، تكون وكأنك اشتريت شقة للبنك من جيبك تعادل قيمة شقتك. والناس يقبلون. وهم غالباً يفكرون: إذا كنتُ أدفع أجرة شقة من راتبي كل شهر، وأظل مستأجِراً مهدداً برفع الإيجار أو الطرد كل الوقت، فلماذا لا أشتري شقة بقرض، تصبح لي بعد عشر أو عشرين سنة؟ وربما أترك شيئاً للأولاد، حتى لو دفعتُ ثمن الشقة مرتين؟
العجيب أنه لو حاول الشخص استدانة ثمن شقة 60 ألفاً من قريب أو صديق، وطلب المُقرض منه أن يشتري له شقة بنفس القيمة كمكافأة للقرض، لما وافق. وفي الغالب سيخسر الصديق أو القريب ويعتبره مرابياً وطماعاً ولا يحق له. لكنّ العلاقة مع البنوك تكون حياديّة وبلا عواطف، ويقبلها الناس كجزء من العيش الطبيعي.
إلى جانب قروض الإسكان ذات القيمة الكبيرة، ثمة مختلف أنواع القروض الأخرى التي أصبحت شبه حتمية لتدبر أمور العيش فوق الصفر: قرض السيارة؛ قرض الزواج؛ قرض تدريس الأولاد؛ قرض بدء مشروع؛ قرض تجديد الأثاث المهترئ؛ قرض العلاج؛ قرض صيانة الشقة؛ وربما قرض (ترفيّ) لقضاء رحلة قصيرة خارج البلد مرة في العمر.. وهكذا. وليس هذا الواقع ذنب البنوك؛ فهي أولاً وأخيراً مؤسسات تجارية ربحية بالتعريف. لكن التكوين الاقتصادي في البلد يختصر باطراد إمكانية تدبُّر المواطن أموره الأساسية من دخله الخاص، ويجبره على خيار الاقتراض من البنوك ودفع الفوائد.
بطيبعة الحال، ليس الحصول على قرض بنكي سهلاً، حتى مع ما يرتبه من أعباء. إنه يحتاج إلى دخل يعتبره البنك كافياً. وهو يحتاج غالباً إلى العثور على "كفيل" يقبل أن يرهن هو الآخر دخله لإرادة المكفول. أينَ تجد أحداً يكفلك في هذا الزمن على 50 أو 80 ألف دينار؟ وإذا توفرت لديه النية الطيبة والثقة فيك، أين هو اليقين الذي يجعله يثق أن أحوالك لن تتغير ولن تتدهور في مناخ يعوزه اليقين؟ وإذا تدبرتَ شأن الكفيل، فهل يكون القرض المعنيُّ آخر الآحزان، أم أن واحدُنا ينتهي من قرض ليأخذ آخر، أو حتى يعيد جدولة قرضه قبل انتهاء السداد لإضافة مبلغ آخر وفوائد أخرى؟ وماذا عن ارتفاع الفوائد خلال سداد القرض، بحيث ترتفع الأقساط بشكل غير محسوب أو يضاف مبلغ غير متوقع يزيد زمن السداد؟
في الحقيقة، ليست ظاهرة الاقتراض من البنوك مقتصرة علينا. إنها جزء من حركة المجتمعات الرأسمالية الطاحنة. ونحن نسمع أن الأميركيين والأوروبيين يقترضون ويدفعون الفوائد لمختلف الأسباب. لكن وجود القروض البنكية كلوازم حتمية للعيش يضيف بقوة إلى عوامل حتّ الدخل الهائلة في حياتنا، مثل الضرائب والفواتير والرسوم والأسعار المحلقة كالصاروخ لمختلف أنواع اللوازم والسلع. كل ذلك مع تدني منسوب الدخول والأجور وركودها، بالإضافة إلى الخوف الدائم من خسران الوظيفة واستحالة الحصول على وظيفة أخرى تقريباً. كما أن نسبة أقساط القروض، مع المصاريف الثابتة الكثيرة جداً والضرائب والفواتير لا تكاد تترك شيئاً من الرواتب قبل أن يقول الناس "يا باسط يا كريم" أول الشهر. ويعمل الكثيرون ويعيشون يوماً بيوم، لمجرد القبض باليمين والدفع بالشمال، دون فرصة لبعض الحُلم.
الأمور حلقات متصلة حتماً. فمثلما يعيش المواطن على ذمة الرهن للبنوك، يعيش الاقتصاد الوطني مرهوناً لبنوك أيضاً: البنك الدولي؛ وصندوق النقد الدولي وما شابه. ورهن الاقتصاد الكبير يعني حتمية رهن كل شيء أصغر، من الناس والأشياء –حتى إشعار آخر!

التعليق