إعادة تعريف أوروبا والأوروبيين

تم نشره في الاثنين 25 أيلول / سبتمبر 2017. 12:00 صباحاً

كارل بيلت*

لايبزيغ- عندما يسافر المرء عبر ألمانيا خلال فترة التحضير السابقة للانتخابات الفيدرالية المقرر إجراؤها في الرابع والعشرين من أيلول (سبتمبر)، فإنه لا يملك إلا أن ينتبه إلى علامات الصدمة العميقة المتخلفة عن أزمة اللاجئين في العام 2015.
على نحو مفاجئ ومن دون سابق إنذار تقريباً، تدفق ما يقرب من مليون شخص يائس -أغلبهم من السوريين الفارين من المذبحة في وطنهم- إلى ألمانيا. وعلى الرغم من أن ألمانيا ربما تكون الدولة الأفضل إدارة بيروقراطياً في أوروبا، فإنها لم تسلم من الارتباك.
كانت استجابة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل للأزمة قبل عامين هي التخلص من دليل القواعد وفتح حدود بلادها. وفي مناسبة شهيرة قالت للشعب الألماني: "نستطيع أن نفعل ذلك".
لكن الرأي العام الألماني اليوم يشير إلى أن ألمانيا أصبحت أكثر تحفظاً إزاء مثل هذه الإشارات الجريئة. صحيح أن ألمانيا فعلت ذلك، لأنها لم يكن لديها بديل؛ والعديد من الألمان فخورون ببلدهم لارتفاعه إلى مستوى الحدث. ولكن أغلبهم يأملون أن لا تتكرر مثل هذه الأزمة مرة أخرى أبداً.
على الرغم من أن العديد من الألمان تقبلوا ما حدث قبل عامين، فإن أقلية صغيرة ما تزال تشعر بأنها كانت ضحية خيانة. وقد استجابوا بالغضب والقومية الكارهة للأجانب، وسوف تنعكس هذه المشاعر على تصويتهم بلا أدنى شك.
ولكن، ينبغي أن نضع الصدمة التي أحدثتها أزمة اللاجئين في ألمانيا في منظورها الصحيح. كانت أعداد اللاجئين الذين بحثوا عن الحماية ووجدوها في دول مثل لبنان وتركيا أكبر كثيراً من أعدادهم في ألمانيا. وبالحسابات النسبية، لو أرادت ألمانيا مضاهاة لبنان في العام 2015، لكانت ستضطر إلى قبول 20 مليون لاجئ. وفي تركيا، تستضيف إسطنبول وحدها الآن عدداً من اللاجئين أكبر من مجموعهم في ألمانيا بالكامل.
بطبيعة الحال، ليست ألمانيا الدولة الأوروبية الوحيدة التي تظل غير مستقرة بفِعل أزمة اللاجئين. ففي بلدي، السويد، من المرجح أن يحقق أي حزب سياسي يريد عزلنا عن بقية العالَم مكاسب قوية في الانتخابات العامة في العام المقبل. وفي العديد من دول أوروبا الوسطى التي استعادت مؤخراً فقط حس السيادة، يُنظَر إلى اللاجئين على نطاق واسع على أنهم يشكلون تهديداً للهوية الوطنية.
سوف تهيمن هذه القضايا على السياسة الأوروبية في السنوات المقبلة على نحو أو آخر. فأوروبا تحاول ببطء بناء القدرة على الصمود في مواجهة مثل هذه الصدمة التي شهدتها في العام 2015. وكانت هي القارة التي صدرت ذات يوم الحرب والاضطرابات، ولكنها الآن راغبة في حماية نفسها من مشاكل جيرانها.
من الدروس المستفادة من العام 2015 أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى وضع سياسة خارجية وأمنية مشتركة أقوى كثيراً. ويتعين على الاتحاد الأوروبي أن يستعيض عن الخطابة النبيلة بإجراءات ملموسة، في حين يتقبل أيضاً مسؤولياته الإقليمية والعالمية. فالأسلاك الشائكة بين المجر وصربيا لن تحمي أوروبا من آثار الحرب في أوكرانيا، أو الانقلابات والإرهاب في الأناضول، أو الدمار العنيف في بلاد الشام وبلاد الرافدين. ولن تساعد أوروبا في إدارة التحول الدراماتيكي الجاري الآن في أفريقيا، التي ستصبح موطنا لنحو 40 % من سكان العالَم في سن العمل في غضون بضعة عقود من الزمن.
ومن دروس العام 2015 أيضا أن الدول الأوروبية يجب أن تتعلم إعادة تعريف هويتها الوطنية. فقد بنيت الولايات المتحدة، وأستراليا، وكندا على الهجرة، وأغلبنا ننحدر من نسل أناس أتوا من أماكن أخرى. وفي الواقع، لم يتبق الكثير من "الأمم الأولى" في هذه البلدان. والآن بات من الممكن تماماً أن يكون عدد السكان من أصل سويدي في شيكاغو أكبر من عددهم في ستوكهولم.
من المؤكد أن آسيا تختلف عن نظيرتها الغربية. فقد ظلت قبائلها تتقاتل في ما بينها لآلاف السنين. وعلى مدار القرنين المنصرمين، كان الأوروبيون حريصين على بناء الدول القومية والهويات الوطنية متزايدة القوة على أساس تجارب تاريخية طويلة ومعقدة.
وبطبيعة الحال، بُني الاتحاد الأوروبي ذاته بواسطة دول قومية. ولكن مواطني هذه الدول أرادوا أن يتغلبوا على إرثهم الطويل من القَبَلية والحرب. وإذا حكمنا على الأمر من خلال هذا الهدف، فبوسعنا أن نقول إن نصف القرن الأول من عمر الاتحاد الأوروبي كان نجاحاً هائلاً. غير أن التوترات بادية للعيان. وسواء كان ذلك مبرراً أو لم يكن، فإن الغرائز القبَلية تعود إلى الظهور عندما يستشعر الناس تهديداً لهويتهم الوطنية. وفي نظر قِلة مرتعبة حقاً، أصبحت كل من بروكسل ومكة تمثل تهديدا قاتلاً.
إذا كان لأوروبا أن توجد لنفسها مكاناً في عالَم سريع التغير، فيتعين على مواطنيها أن يتعلموا كيف يستفيدون من الهويات المتعددة. فبوسع المرء أن يكون سويدياً فخوراً وأوروبياً فخوراً في نفس الوقت؛ وبوسع المرء أن يكون ألمانيا وتركيا في آن، وأن يستمد القوة من هذه الازدواجية. فليس من قبيل الغدر والعقوق أن يرى المرء نفسه مواطناً للعالَم. بل هو على العكس تماماً، موقف مشرف.
من شأن مثل هذا التحول في المواقف أن يوفر الأساس لأوروبا مختلفة تماماً. وبهذا نتحول بعيداً عن الصراعات والمخاوف القَبَلية القديمة أخيراً، ونعتنق مستقبلاً رقمياً متشابكاً. وقالت أنجيلا ميركل، التي من المرجح أن تنتخب لولاية أخرى لأربع سنوات كمستشارة لألمانيا في الرابع والعشرين من هذا الشهر للمواطنين الألمان إنهم "يستطيعون أن يفعلوا ذلك". ولكن هل تفعلها ألمانيا وبقية أوروبا؟ ما علينا إلا أن ننتظر ونرى. فالمهمة صعبة.

*كان وزير خارجية السويد من 2006 وحتى 2014. وهو دبلوماسي دولي بارز ويرأس الآن اللجنة الأوروبية لحكم الإنترنت، وعضو في مجلس الأجندة العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي لشؤون أوروبا.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق