"داعش" يُصعد فظاعاته لتعويض هزيمته

تم نشره في الأحد 24 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً
  • لقطة من فيديو بثه "داعش" لتعليم الأتباع كيفية تصنيع المتفجرات المنزلية -(أرشيفية)

باتريك كوبيرن - (الإندبندنت) 18/9/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

كان "داعش" هو الملهم المرجح وراء عملية التفجير في محطة بارسونز غرين لقطارات الأنفاق. فقد ماثلت عملية القتل الجماعي الهجمات التي تم تنفيذها في برشلونة ومانشستر ولندن في وقت سابق من هذا العام، حيث استهدفت قتل أقصى عدد من المدنيين بأكثر الطرق ظهوراً.
يبدو أن "داعش" يقوم بتصعيد هجماته التي تجلب الانتباه للتعويض عن هزائمه في ميادين المعارك في العراق وسورية. ويهدف التنظيم إلى إلى إظهار القوة ونثر الخوف والسيطرة على أجندة الأخبار، في وقت خسر فيه الكفاح الوحشي الذي دام لأكثر من تسعة أشهر في الموصل العراقية، بينما يتعرض للهزيمة حالياً في آخر معاقله الحضرية الكبيرة في دير الزور والرقة في سورية. والخلافة التي كان "داعش" قد أعلن قيامها بعيد سيطرته على الموصل في العام 2014، وكان حجمها ذات مرة بحجم بريطانيا العظمى، تقلصت اليوم إلى مجرد جيوب محاصرة في صحراء شرق سورية وغرب العراق.
لسوء الطالع، تجعل هذه الهزائم تصاعد الهجمات الإرهابية على المدنيين أكثرترجيحاً بدل أن تكون أقل في العراق وسورية والغرب. وقد ذكرت المواقع التي تم استهدافها في هذا الترتيب لأن الغالبية العظمى من ضحايا "داعش" عراقيون وسوريون، على الرغم من التغطية النادرة لهذه التطورات في الإعلام الغربي الذي يغطي على مدار الساعات والأيام التطورات ذات الصلة بـ"داعش" عند حدوثها في أوروبا الغربية والولايات المتحدة.
أحد الأمثلة الكاشفة لهذه التغطية غير المتوازنة جاء في الأسبوع الماضي فقط، قبل يوم من تفجير محطة بارسونز غرين، عندما قام مسلحون من "داعش" وثلاثة مفجرين انتحاريين بمهاجمة نقطة تفتيش للشرطة ومطعمين في جنوبي العراق مما أسفر عن مقتل 80 شخصاً على الأقل، وإصابة مئات آخرين بجروح. وبينما يرتدون أزياء الشرطة ويقودون عربات للجيش العراقي كانوا قد استولوا عليها، نفذ مقاتلو داعش هجومهم في الطريق الرئيسي بين بغداد والبصرة بالقرب من مدينة الناصرية. وتم تنفيذ الهجوم الذي نظم بعناية عميقاً في جزء العراق الشيعي وبعيداً عما تبقى من حصون "داعش" في المناطق العربية السنية الأبعد إلى الشمال. وكان هدف الهجوم إثبات أن "داعش" ما يزال يستطيع -على الرغم من الخسائر المدمرة في حصار الموصل- أن يعمل بعيداً عن مناطق قاعدته.
لم تأخذ الحكومة البريطانية، شأنها شأن الجمهور البريطاني، على محمل الجد فكرة أن هجمات "داعش" في بريطانيا وغيرها تظل جزءاً لا يتجزأ مما يحدث في الحربين في العراق وسورية. ويعد "داعش" العالم كله ميدان معركة واحد. وهذا ما يجعل المبادرات الحكومية مثل حملة "منع" غير ذات صلة عندما تكون غير منتجة. وهي تدعي التعرف إلى وكشف التطرف الإسلامي المحلي (بالرغم من أن أحداً لا يعرف ماهيته). لكنها من الناحية العملية شكل من أشكال العقاب الجماعي للثلاثة ملايين مسلم بريطاني، وتخدم فقط تهميش الكثيرين ودفع أقلية ضئيلة نحو التعاطف مع الحركات المرتبطة بتنظيمي "داعش" والقاعدة.
يبدو هذا النهج جذاباً للحكومات، لأنها يريها وكأنها تفعل شيئاً نشيطاً للجم الإرهاب مهما قد يكون ذلك النشاط غير مؤثر. كما أنه ينطوي على المضمون المفيد باقتراح أن الإرهاب يولد محلياً، وأن المغامرات البريطانية الخارجية في ليبيا في العام 2003، وفي ليبيا أيضاً في العام 2011، لم تكن تكن مسؤولة بأي طريقة عن توفير الأرض الخصبة التي يتغذى عليها "داعش". ولكن، عندما اقترح جيريمي كورب بعد قنبلة مانشستر أن السياسة البريطانية التي ساعدت على خلق الفوضى في العراق وليبيا وسورية، وساعدت على ازدهار وانتعاش الإرهابيين على غرار تنظيم القاعدة، يجب أن تتعرض للمساءلة، تعرض للصياح المعادي له واتهامه بأنه بعض الشيء من ذنب مهاجمي مانشستر ولندن.
الطريقة الوحيدة طويلة الأجل لمنع مثل هذه الهجمات الإرهابية لا تكمن في القضاء على "داعش" في العراق وسورية وغيرهما فحسب، وإنما تكمن أيضاً في إنهاء تلك الحروب التي سمحت لتنظيم القاعدة بأن يصبح حركة جماهيرية. وقبل غزو العراق في العام 2003، كان تنظيم القاعدة وفروعه يتوافرون على القليل من القوة وقد تحطموا إلى حد كبير. لكنهم بُعثوا خلال حرب العراق وتم قمعهم بصعوبة هائلة فقط ليصعدوا مرة أخرى في العام 2011، حين أتاحت الحرب الأهلية السورية لهم فرصة التوسع وأن يصبحوا القوة المهيمنة في المعارضة المسلحة. لم يكن ذلك التطور حتمياً أو غير متوقع؛ فقد حذر القادة العراقيون من أن استمرار الحرب في سورية؛ حيث كانت المواجهة الطائفية عنصراً رئيسياً، سوف يزعزع استقرار سلامهم الهش. ولكن، تم تجاهل تحذيراتهم وأظهر صعود "داعش" بسرعة البرق بين العامين 2011 و2014 أنهم كانوا يعرفون ما يتحدثون عنه. وأتذكر أنني حاولت عبثاً في العام 2012 إقناع دبلوماسي رفيع بأن الحرب السورية إذا استمرت فإنها ستصبح عصية على الاحتواء، وسوف تزعزع استقرار العراق. لكنه استخف بمخاوفي واعتبرها مبالغاً فيها.
لكن القوى الغربية اقتنعت فعلاً بأن هزيمة "داعش" يجب أن تعطى الأولوية الكاملة في أعقاب الهجمات الإرهابية في باريس في العام 2015، وتدفق اللاجئين السوريين المتجهين من تركيا إلى أوروبا الغربية في العام نفسه.
وفي السابق، كانت الحكومات متقاعسة عن السعي إلى اتخاذ إجراءات واضحة، مثل ممارسة ضغط على تركيا لإغلاق حدودها مع سورية التي عبرها منها مجندو القاعدة و"داعش" بكل حرية لأعوام. وفي النتيجة، أغلقت الحدود جزئياً مع تقدم الأكراد السوريين على طول الجانب الجنوبي من الحدود السورية الكردية.
لكن الأمر لا يقتصر على هزيمة "داعش" وتنظيم القاعدة (المتخفي بالكاد من خلال تغيير الأسماء بين الفينة والأخرى) باعتبارها الشيء الضروري؛ إنهما الحربان في العراق وسورية هما اللتان وفرتا الأرض الخصبة للحركتين لتعاودا النمو مرة أخرى. ومن شأن أي شيء يعطل نهاية هذين النزاعين المساهمة في إدامة "داعش" والمجموعات التي يشكل ذبح المدنيين بالنسبة إليها جزءاً لا يتجزأ من تكتيكاتها اليومية.
تحتج الحكومات البريطانية والغربية بأنها قصدت فعلاً إنهاء الحرب، لكنها انتهجت سياسات صبت الوقود على نارها وجعلت استمرارها حتمياً. وكانت هذه الحكومات قد أعلنت إسقاط الرئيس بشار الأسد كشرط مسبق للسلام عندما كان ميزان القوة السياسي والعسكري قد جعل ذلك غير مرجح إلى حد كبير. وتم وصف منتقدي سياسة الحكومة الذين أدلوا بهذا الرأي بأنهم متعاطفون مؤيدون للأسد. لكن السياسة الغربية كانت محبطة للذات وخليطاً من الخيال وتفكير الأمنيات. هل تذكرون ادعاء ديفيد كميرون بوجود 70.000 مقاتل معتدل، رجال شجعان يستطيعون القضاء على الأسد و"داعش" في الوقت نفسه؟
مع ذلك، ليست كل الأخبار سيئة: "داعش" يُهزم حالياً في كل من سورية والعراق. وتتداعى قدرته على تنظيم وإلهام الهجمات الإرهابية. وبافتراض أن "داعش" كان وراء قنبلة قطار الأنفاق في محطة بارسونز غرين، فهناك بعض السلوى في حقيقة أنها لم تنفجر بالكامل -قنبلة "داعش" في كاتالونيا انفجرت في الذين كانوا يعدونها. وسوف يكون توفير الأموال والأسلحة والخبرة أكثر صعوبة بالتأكيد.
كلما ضعف "داعش" أكثر زادت رغبته في إظهار أنه ما يزال يعمل. لكن هجومين في مكانين مختلفين كالناصرية ومحطة بارسونز غرين خلال 24 ساعة يظهران أن القضاء على "داعش" تماماً ما يزال بعيد المنال. وفي النهاية، لا يمكن فصل السلام في المملكة المتحدة عن السلام في العراق وسورية.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 ISIS is Stepping Up Its Atrocities to Compensate For Its Defeat

التعليق