خطة المصالحة الفلسطينية المحكومة بالفشل

تم نشره في الأحد 24 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً
  • قائدا حماس، يحيى السنوار (وسط)، وإسماعيل هنية (يسار) أثناء تشييع جنازة عضو الحركة، مازن الفقهاء، في غزة – (أرشيفية)

غرانت روملي – (مجلة الأطلسي) 17/9/2017

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

من المطالب التي عادة ما يقدمها الفلسطينيون لقادتهم، تتصدر المصالحة بين فصيليهما الأكبر حجماً رأس القائمة على الدوام. وقد خاضت حركة فتح، التي تسيطر على السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وحركة المقاومة الإسلامية، حماس، التي انتزعت السيطرة على قطاع غزة في الحرب الأهلية في العام 2007، صراعاً منخفض الكثافة على مدى أكثر من عقد. وبين الاشتعالات، استجاب الطرفان في كثير من الأحيان لإرادة شعبهما بإعلان مختلف اتفاقيات الوحدة. لكن أيا من هذه الاتفاقيات لم يفضِ إلى وئام وطني فعلي، ومن غير المرجح أن يختلف إعلان الأحد قبل الماضي المفاجئ عن حل حماس لجنتها الإدارية في غزة والمواقفة على المصالحة، عن سابقاته.
أولاً، يتعلق الأمر بالتمويل أكثر مما يتعلق بالوحدة. ففي آذار (مارس)، أعلنت حماس عن تشكيل لجنة إدارية، وهي هيئة شبه حكومية تتولى ظاهرياً مزيداً من مهمام الدولة. وقد استجاب قادة فتح لهذا التطور بغضب، واتهموا حماس بتشكيل حكومة ظل، والتي سيكون من شأنها "إدامة الانقسام بدلاً من تعزيز المصالحة".
ومن جهته، استجاب محمود عباس، زعيم حركة فتح ورئيس السلطة الفلسطينية، بعرض غير مسبوق للقوة. فقد قطع مدفوعات الكهرباء عن قطاع غزة، مغرقاً الجيب الساحلي المعدم فعلياً في الظلام. (ترفض حماس التعامل مع إسرائيل. ولذلك دعمت السلطة الفلسطينية أجزاء من مدخلات غزة من الكهرباء منذ العام 2007). كما خفض عباس أيضاً رواتب موظفي السلطة الذين لا يعملون في غزة، وقطع المدفوعات عن أسرى حماس في السجون الإسرائيلية، وخفض شحنات الإمدادات الطبية، وأعلن أنه سيتم إجبار أكثر من 6.000 عامل على التقاعد المبكر. وكانت هذه العقوبات واسعة النطاق أقسى ما فرضه عباس في أي وقت على حماس، ناهيك عن أبناء شعبه هو نفسه.
منذ البداية، جعل عباس مطالبه من حماس واضحة: حل اللجنة الإدارية؛ وإعادة غزة مرة أخرى إلى سيطرة السلطة الفلسطينية؛ والتحضير لانتخابات وطنية. وقد عارضت حماس كل ذلك بالإصرار على أنها لن تتزحزح حتى يزيل عباس عقوباته المعوقة. وعلى مدى أشهر، بدا الطرفان عالقين في مأزق مألوف حتى إعلان يوم الأحد قبل الماضي في القاهرة، حيث بدا أن حماس رضخت لجميع مطالب عباس.
التفسير المرجح لتحول حماس المفاجئ هو التغير الذي حصل في قيادتها. ففي وقت سابق من هذا العام، تم إعلان نتيجة الانتخابات الداخلية السرية للحركة، حيث أصبح كل من إسماعيل هنية، رئيس الوزراء السابق في حكومة الوحدة الوطنية في العام 2007، ويحيى السنوار، القائد المتشدد لجناح حماس العسكري، القائدين رقم واحد ورقم اثنين للفصيل. ويمثل كلا الرجلين تحولاً عن مركز جاذبية حماس من الطبقة السياسية التي تعيش في المنفى والعودة إلى القيادة العسكرية الموجودة في غزة. وفي البداية، جعل صعودهما الكثيرين يشعرون بالقلق من حتمية نشوب حرب أخرى مع إسرائيل. وكان السنوار بشكل خاص غير قابل للتنبؤ باتجاهاته: فقد صعد في صفوف جناح حماس العسكري عن طريق مطاردة -وربما إعدام- المتعاونين مع إسرائيل، ولعب دوراً بارزاً كقائد عسكري في حرب العام 2014.
مع ذلك، ووفق كل الحسابات، تبيَّن أن السنوار، الذي تتضمن واجباته في المنظمة إدارة غزة، قد تحول إلى براغماتي بعد توليه منصبه. ويعيش الغزيون في فقر مدقع، ويتحملون ظروف مياه وصرف صحي مريعة، ويواجهون معدلات بطالة فلكية. وكان هؤلاء الغزيون قد وقفوا في السابق خلف قادتهم من حماس في أوقات الأزمات، لكن تلك الأيام ولت وابتعدت كما يبدو. وفي كانون الثاني (يناير)، خرج أكثر من 10.000 شخص إلى الشوارع خارج أحد مكاتب الكهرباء التي تديرها حماس للاحتجاج على سياسات الحركة. وقد أصبح السخط على كل من حماس والسلطة الفلسطينية الآن شعوراً شائعاً لدى الغزيين، وشعر قادة حماس الجدد بحجم الضغط الكبير.
حاول السنوار بشكل خاص الاتصال مع كل وأي طرف يمكن أن يقدم المساعدة. وشمل ذلك محمد دحلان، رئيس أمن فتح السابق في غزة، والذي تفاوض على صفقة مع المصريين والإماراتيين لإيصال الوقود والنقود إلى داخل القطاع. وتوضح حيقيقة أن السنوار ربما يتصالح مع دحلان، مهندس حملة فتح الدموية ضد حماس في التسعينيات وبداية الألفية، عمق الأزمة التي تعاني منها حماس.
بالنظر إلى الأمور من هذا المنظور، يبدو أنها أصبحت مسألة وقت فقط قبل أن ترضخ حماس لمطالب عباس أو تشعل حرباً أخرى مع إسرائيل. وفي الماضي، كان الضغط المالي قد دفع حماس إلى الضرب بعنف. (قبل أسابيع من حرب العام 2014، داهم أعضاؤها المصارف المحلية في غزة وقاموا بإغلاقها). ومع ذلك، اختارت قيادة الحركة حتى الآن، وبطريقة مثيرة للدهشة، الخيار الأول، ولو ليس من دون محاولة خلق المصاعب لخصومها في فتح. فبإعلان انفتاح الحركة على المصالحة قبل أيام فقط من من لقاء عباس المتوقع مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الجمعية العامة للأمم المتحدة، كان الحمساويون يضعون رئيس السلطة الفلسطينية في مأزق. وكان اتفاق مصالحة مشابه أبرم في العام 2014 قد أنهى عملية السلام بقيادة وزير الخارجية الأميركية آنذاك، جون كيري؛ ولا يستطيع عباس أن يتوقع من الولايات المتحدة أن توافق على شروطه التفاوضية بينما يكون قد وقع اتفاقاً آخر مع مجموعة تعتبرها الولايات المتحدة منظمة إرهابية.
يبدو أن حماس تحاول وضع عباس في زاوية. فمع الوفاء بمطالبه ظاهرياً، سوف تحوَّل حماس الضغط الشعبي نحوه من أجل تخفيف حملته ضد غزة. وكان الناطق باسم حماس، فوزي برهوم قد قال يوم 17 أيلول (سبتمبر): "سوف يضع هذا أبو مازن وفتح في اختبار حقيقي". فكلما طال أمد بقاء عقوباته، شرع المزيد من الفلسطينيين العاديين في التساؤل عن السبب في أنه لم يرفع الضغط المفروض على أبناء شعبه في غزة. وكان من المرجح أن يؤجل عباس رده بغية شراء الوقت لنفسه مع ترامب قبل إعلان رده الذي يغلب أن يكون الإصرار على أنه لم يتم الوفاء بمطالبه، وإصدار مطالب أخرى يعرف تماماً أن حماس لا تستطيع الوفاء بها، أو الالتزام بجولة أخرى من المفاوضات.
في كلتا الحالتين، يبقى الأمر كله تجميلياً فقط عند هذه المرحلة. لن يكون أي من الطرفين قادراً على جسر الهوة الأيديولوجية أو نسيان التاريخ الملطخ بالدماء بين الفصيلين في أي وقت قريب. ولو كان تحقيق وحدة حقيقية ممكناً، لكان الفصيلان الفلسطينيان قد وجدا الصيغة غالباً في اتفاقاتهما السابقة: مكة في العام 2007؛ صنعاء في العام 2008؛ القاهرة في العام 2011؛ والدوحة في العام 2012؛ ثم القاهرة مرة أخرى في العام 2012؛ ومخيم الشاطئ للاجئين في العام 2014.
في الحقيقة، لن تتخلى حماس أبداً عن سيطرتها العسكرية على قطاع غزة. وتريد الحركة من عباس أن يدفع كلَف الحكم. وفي المقابل، يريد عباس خضوع الحركة الكامل وتجريدها من أسلحتها. وفي نهاية المطاف، لا يبدو أن هناك مكاناً وسطاً هنا. وكان إعلان يوم الأحد مجرد حركة أخرى في لعبة الشطرنج المستمرة على مدار عقد كامل، حيث يستمر الفلسطينيون العاديون في دفع الثمن.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Doomed Palestinian Reconciliation Plan

التعليق