ضربات مميتة

تم نشره في الأحد 24 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً

هآرتس

ديمتري تشومسكي

24/9/2017

إحدى الذكريات الأولى التي ما زالت راسخة لدى وصولي إلى إسرائيل قبل 27 عاما، كان نوع من "صدمة ثقافية". كان ذلك بعد وقت قصير من التحاقي بالصف الأعلى في المدرسة الثانوية في حيفا. كنت شاهدا على مشاجرة قصيرة بين تلميذين في صفي في ساحة المدرسة. المواجهة العنيفة بين الاثنين لم تدم أكثر من ثوان معدودة. حيث تدخل الطلاب الذين كانوا قريبين منهما حالا وفصلوا بينهما.
بقيت فاغرا فمي، وكذلك ايضا اصدقائي المهاجرين الجدد من الاتحاد السوفياتي، الذين شاهدوا ما حدث. "هذا ليس سويا"، صرخ في داخلي الانسان السوفياتي، باشمئزاز، (لماذا لم يسمحوا لهم بالاستمرار؟!). لان العادة المقبولة في المدرسة داخل الاتحاد السوفياتي، في حالة مشاجرة كانت إحاطة الطرفين المتعاركين بدائرة من أجل ابعادهم عن أعين المعلمين، وتمكينهم من ضرب أحدهم الآخر حتى إسالة الدم ويفضل حتى سقوط احدهما على الارض واستسلامه الصريح.
مؤخرا تذكرت تلك الواقعة عندما شاهدت فيلم فيديو مثيرا، والذي يتم نشره الآن في الشبكات الاجتماعية في روسيا، وحتى عرض في قنوات التلفزيون الرئيسية. الفيلم يوثق القتل المزعزع لنائب بطل العالم وبطل اوروبا في رفع الاثقال أندريه دريتشوف. القتل حدث في الشهر الماضي خارج نادي ليلي في قلب مدينة حفروبسك – العاصمة غير الرسمية للشرق الاقصى الروسي – وهي منطقة محمية في الشارع الرئيسي للمدينة، والذي تسنى لي المرور في الصيف الماضي كل يوم طول اسبوعين في طريقي للمتحف اللوائي.
تراتسوف الذي سهر في النادي وكان مخمورا حسب الشهادات تورط في مواجهة مع مقاتل قتال خبير في انواع عدة من القتال من أصل أذربيجاني بإسم اللهفرانوف الذي ضربه حتى الموت. لقد ضربه برجله في جبهته مرتين، وبعد ان سقط هذا وفقد وعيه وواصل بالضرب بقبضته على رأسه. كل ذلك أمام اعين العشرات من رواد الملهى وبعض رجال الحماية، الذين لم يخطر ببالهم ايقاف الكارثة بل ركزوا على تصوير "المعركة"، وهكذا مكنوا المجرم من الهرب بدون ازعاج من المكان.
"لحسن الحظ ان والديك هربا من هناك"، همس في اذني من داخلي (وليس هذه المرة الأولى) الإنسان الإسرائيلي، في الوقت الذي شاهدت فيه فيلم معركة الموت. هكذا، اللامبالاة القاسية لحياة الإنسان، والتي تترجم احيانا إلى علاقات مشجعة لظواهر عنف قاسي، هي من الدلائل الواضحة لتحلل أخلاقي متقدم، والذي يعيش فيه المجتمع ما بعد السوفياتي بعد فشل التجربة الشيوعية على بني البشر.
من الصعب تصور تشجيعا مباشرا، صريحا بدون خجل لعنف شارع  وحشي كهذا في إسرائيل. ان ذات الحالة الاجتماعية – الثقافية التي مكنت من حدوث تلك الفظاعة في حفروبسك هي أمر غير ممكن هنا. مع ذلك من الصعب نكران انه نظرا لان الحياة اليومية المدنية تسير في إسرائيل منذ اقامتها ما بين حرب واخرى وما بين انتفاضة واخرى، فإن عقلية مجتمع مقاتل سرت مع مرور السنوات أكثر فأكثر إلى مجال العلاقات ما بين الإنسان وزميله. وهكذا ليس من المستغرب انه في العقدين الاخيرين تحول العنف القاتل إلى مكون طبيعي جدا في الحياة اليومية الإسرائيلية.
أحد العناصر المساعدة بصورة غير مباشرة، ولو بدون قصد، مساعدة مشكوك فيها لاعتياد العنف القاتل في المجال المدني في إسرائيل هو جهاز القضاء، التي ما زالت مستمرة في تعريف حالات كثيرة من ازهاق ارواح بشر بأيدي شخص آخر بمفهوم "قتل" (التسبب بموت من خلال معرفة بامكانية التسبب بالوفاة". هكذا، عندما لا يكون بالامكان اثبات الاساس النفسي الواضح للقصد المسبق وتخطيط مسبق خلف عمل القتل. في السياق الوجودي لإسرائيل، الواقع في وضع من التكرار الدوري للحروب، والذي يعتبرها الجمهور الإسرائيلي كمعطى ثابت "ليس هنالك ما يُعمل ازاءه – ايضا ذات المفاهيم "لتقتل"، "قتل"، "قتلى"، الرئيسية لواقع الحرب، يمكن أن تعتبر كجزء مفهوم بذاته للواقع الذي ليس هنالك مناص من استيعابه.
وهكذا كلما استنسخت كلمة القتل من السياق العادي لحرب ضد عدو إلى الحياة المدنية، تزيد لدينا، تقريبا بصورة غير مسيطر عليها الميل النفسي لتقبل حالات العنف القاتلة اليومية كأشياء لا يمكن منعها كنوع آخر من الحرب – وهكذا في الحرب كما في الحرب أُناس يُقتلون.
في حين انه ضد وضع تواتر الحرب في إسرائيل ليس هنالك الكثير مما يمكن عمله بصورة فورية، فإن ارتباك المفاهيم والاخلاقي، والذي بسببه حالات مثل طعن قاتل في وضح النهار في شاطئ البحر بسبب مشاجرة بين كلبين (قتل افينوعام شوشان في مدينة حيفا قبل 14 سنة) تعتبر كـ "قتل" – وبالامكان ايضا تصحيحها.
في هذه الاشهر تنقضي عشر سنوات على مبادرة وزارة القضاء باحداث اصلاح في تدرج مخالفات القتل. قبل حوالي سنتين ونصف فإن الطاقم المكلف بفحص اسس مخالفات القتل برئاسة البروفيسور مردخاي كرمنتسار قدم توصياته التي ارتكز عليها مشروع القرار لاصلاح  تعريف  مخالفة القتل. هي تريد خلق تدرج جديد من مخالفات القتل، يتضمن "قتل بعدم مبالاة" (تسبب بوفاة يعتبر اليوم قتل فقط). حسب  اقوال رئيسة منظمة عائلات القتلى والقتيلات لارا تسينمان، ان النقاشات في مشروع القرار في لجنة التشريع في الكنيست ما زالت مستمرة. ويجب أن نأمل في نهايتها قريبا. وهكذا سيوضع حد لتطبيع المفاهيم غير المفهوم وغير المحتمل للعنف القاتل في المجتمع الإسرائيلي، والا فإن الإنسان الإسرائيلي الذي في داخلنا انه سوف يكتشف في يوم من الايام انه مشابه من حيث العلاقة بالعنف للإنسان السوفياتي.

التعليق