د.باسم الطويسي

الخيارات الصعبة

تم نشره في الاثنين 25 أيلول / سبتمبر 2017. 12:06 صباحاً

قبل نحو عامين كان يتردد الخطاب السياسي ذاته الذي يتردد اليوم واحيانا بشكل يكاد يكون حرفيا عن صعوبة الخيارات الاقتصادية المتاحة، وعن استحالة استمرار التكيف مع هذه الاوضاع. يتكرر ايضا الحديث ذاته كلما تبدأ مراجعة دورية من قبل الصندوق أو البنك الدولي للأوضاع النقدية والاقتصادية أو كلما نقبل على مرحلة من الإجراءات الاقتصادية الجديدة، فيما يتراجع الحديث أو ربما يكاد يختفي عن الحلول الاستراتيجية على المدى الطويل وحتى الحديث عن تقييم الإجراءات التي تمت بين كل "موجة تذمر وطني" واخرى، وعلى سبيل المثال ترى ما الذي انجز من خطة  التحفيز الاقتصادي للعامين القادمين بعدما وصل النمو الاقتصادي إلى أدنى مستوياته.
عمليا، لا يمكن الاستمرار بهذه الصيغة، فالخيارات أمام الحكومة محدودة. فيما ورثت الحكومة الحالية الملف الاقتصادي الأثقل في العقود الثلاثة الأخيرة من عمر المملكة. والأصعب من الأبعاد الاقتصادية والآثار النقدية، ما يرتبط بالبعد الاجتماعي لأي قرارات اقتصادية جديدة، وفي المقدمة سياسات إلغاء الدعم الحكومي عن بعض السلع والخدمات، والسياسات الضريبية، وما سيتبعها من مصفوفة طويلة من الآثار السلبية التي ستنعكس مباشرة على المواطنين من الطبقات الفقيرة والوسطى.
صحيح أن الدولة القوية هي التي تعتمد على جيوب مواطنيها. لكن سيكون ذلك قفزا في الهواء من دون بناء قاعدة إنتاجية حقيقية، تخلق ثروة الأمة. فبغير ذلك، ستكون سياسات الاعتماد على جيوب المواطنين هروبا من الرماد إلى النار، ولن تنتج إلا المزيد من الفقر، والمزيد من تهشيم الطبقة الوسطى.
علينا أن نراجع بشكل علمي ونقدي، السياسات الاقتصادية والاجتماعية خلال العقدين الماضيين، وسنلاحظ أن العديد من برامج الإصلاح الاقتصادي قدمت باسم الفقراء. فخطط إعادة الهيكلة، وبرامج التحول الاقتصادي الاجتماعي، وشبكات الأمان الاجتماعي، وغيرها، قُدمت وسُوغت أمام الرأي العام باسم الفقراء، وأحيانا الطبقة الوسطى؛ مرة من أجل حماية هذه الفئات، ومرة من أجل توفير فرص أفضل لها. لكن دائما، وعلى مدى هذه السنوات، دفع الفقراء ثم الفئات الدنيا من الطبقة الوسطى الثمن الغالي لتلك السياسات والبرامج.
السياسات الاقتصادية-الاجتماعية قد تجعل الطبقة الوسطى مهددة، ليس بفعل ذاتي، بل بسبب إعادة تشكيل بنية هذه الطبقة ووظائفها، وأهمها المزيد من الضغوط الاقتصادية التي تكبلها بالديون والضرائب، والمزيد من تضييق الفرص، والحد من سقف الطموح أمام أبنائها وفئاتها الجديدة؛ ليزيد الشعور بين أفرادها بأن ثمة طرقا أسهل وأسرع لتحقيق الذات متاحة بعيدا عن سلطة القانون والأخلاق، في الوقت الذي تتضخم فيه النزعة الاستهلاكية بين أفرادها، وتتراجع القدرة على الادخار وتختلط الأولويات.
تسعة عقود من تاريخ التنمية في الأردن، بنجاحاتها وإخفاقاتها، تحتاج مراجعة من منظور الابتكار في السياسات العامة؛ على سبيل المثال، إعادة تدوير السياسات العامة، والاستفادة من التراكم وتحويله إلى قيم وفوائد نوعية وكيفية؛ بمعنى أنه لا يمكننا الاستمرار في التراكم من دون تحويله إلى قيم نوعية. ومن الأمثلة: إنجازات التعليم وتنمية الموارد البشرية، وإنجازات الاستقرار السياسي والأمني، وإدارة الندرة، والسمعة وقيم النظام السياسي. كل ذلك وغيره يحمل قيمة مضافة قابلة للتوظيف النافع من خلال سياسات جديدة ومبدعة؛ أي الاستثمار الجديد والمبدع في هذه المجالات وإنجازاتها، وتحويلها إلى مورد جديد. وللأسف، هذا لم يحدث، حتى على مستويات ضيقة.

التعليق