عيسى الشعيبي

إيران على خطى كوريا الشمالية

تم نشره في الاثنين 25 أيلول / سبتمبر 2017. 11:05 مـساءً

مع أن كثيراً مما تعلن عنه ايران من انجازات عسكرية، بما في ذلك تطوير ترسانتها الصاروخية، فيه قدر كبير من المبالغة والتهويل، وينطوي على رغبة في درء الاخطار عن نفسها، اكثر مما يحمله من تهديدات لغيرها، الا انه كان لافتاً ازدياد جرأة آيات الله على تحدي الولايات المتحدة، منذ ان اعلنت كوريا الشمالية عن تجربتها النووية الاخيرة، واظهرت عجز الدولة العظمى الوحيدة في الرد بصورة شافية على البلد الاشد فقراً وعزلة في العالم، ان لم نقل وقوف واشنطن بلا حول امام الحقيقة التي صنعتها بيونغ يانغ، ملء سمع العالم ويصره.
ولعل اكثر من راقب السجال الكلامي الساخن، الذي دار بين دونالد ترامب وبين كيم جونغ اون، خلال الاسابيع القليلة الماضية، وكان يتابع ردود الافعال الاميركية المضطربة على السابقة الهيدروجينية الكورية الشمالية، هم قادة الجمهورية الاسلامية، الذين اخذوا جرعة  ثقة اضافية، بعد ان رأوا الرجل البرتقالي وهو يرعد دون ان يزبد، ويجعجع ولا يطحن، فرفعوا على الفور من عقيرتهم، وضاعفوا من درجة تحديهم للقوة الوحيدة القادرة على كبح جماحهم، وحملهم على اعادة التفكير في مشروع نووي، يجري تطويره بعيداً عن الأعين.
ويعد إطلاق صاروخ بعيد المدى، ومتعدد الرؤوس قبل عدة ايام (اذا صح الكلام) آخر مظهر من مظاهر الاستثمار الايراني  في حالة العجز الاميركي ازاء  كل ما يخص المسألة الكورية الشمالية، ودليلاً جديداً على انه يمكن لدولة من العالم الثالث، لديها الصناعة الحربية اللازمة، أن تتجاوز المحاذير الغربية على امتلاك الغير لتكنولوجيا الصاروخ البالستية، وان تطور ما هو في حوزتها من تقنيات وخبرات متراكمة، كي تنال عضوية النادي الذري، المغلق على الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، وبعض الدول الاخرى القليلة.
وليس من شك في ان ايران المتلهفة لاقتناص اي فرصة سانحة، لتملي نفسها على المسرح الدولي كقوة اقليمية عظمى، هي في مقدمة المستفيدين من الارتباك الاميركي حيال كوريا الشمالية، وأول الدول توظيفاً للعبر والدروس المستفادة من حيرة اقوى قوة على وجه الارض في كيفية معالجة انتشار الاسلحة النووية، وحصول من تسميهم واشنطن دول الشر، او الدول المارقة، على اسلحة الدمار الشامل، الامر الذي يمكن القول معه إن إخفاقات اميركا صبّت القمح كله في طاحونة ايران المتحفزة للقفز نحو بوابة النادي النووي الخاصة.
ازاء ذلك كله تبدو ايران سائرة بثبات على طريق كوريا الشمالية خطوة بخطوة، وانها ترى في البلد الذي تحدى الولايات المتحدة بشجاعة منقطعة النظير، أنموذجاً يمكن الاقتداء به، والنسج على مغزله حبكة بحبكة، طالما ان الامر لن يتعدى تنديدات مجلس الأمن الدولي، وسقف العقوبات الاقتصادية، التي تعايش معها نظام الولي الفقيه طوال ثلاثة عقود زمنية ماضية، لا سيما أن لطهران شبكة اذرع ممتدة في الشرق الاوسط، ولديها تحالفات يمكن الاعتماد عليها، اكثر بكثير مما لدى كوريا الشمالية الفقيرة المعزولة في منطقة تقع تحت نفوذ الدولة العظمى.
وأحسب انه اذا نجت بيونغ يانغ من سيف التهديد الاميركي المسلط على رقبتها، وتمكنت من الصمود في وجه العقوبات الدولية الصارمة، فإن ذلك سيؤسس لسابقة اضافية، وسيعتبر في مغزاه المباشر نجاحاً مدوياً لطهران، دون ان تتجشم هذه عناء الانخراط  في ملاسنة حامية الوطيس مع واشنطن، ومن غير ان تتبادل معها التهديدات الفارغة، الامر الذي سيؤدي بالضرورة الموضوعية الى  فقدان الكثير من هيبة اميركا، ويخصم من قوة ردعها، وسيفضي على المدى المتوسط الى سباق تسلح نووي في الشرق الاوسط.
ومن غير ان نسرف في التوقعات، او نستبق التطورات المحتملة، ينبغي الاستدراك ان الولايات المتحدة لم تقل كلمتها النهائية بعد، ولم تستسلم لما يبدو فاتحة اولية لفوضى نووية شاملة، حتى إن بدت قابلة بالإكراه لقنبلة كوريا الشمالية، كونها اصبحت حقيقة منتهية، فإنها قد لا تكرر النهج ذاته مع ايران، المهددة لإسرائيل في المقام الاول، والراعية للإرهاب في العالم، وهو ما يبعث على الاعتقاد ان الدولة العظمى سوف تصحح خطأها مع بيونغ يانغ، بضربة استباقية شديدة للبرنامج الصاروخي الايراني في المستقبل المنظور، على الأرجح.

التعليق