لماذا أسرت مِحنة مسلمي الروهينغا العالم العربي فجأة

تم نشره في الاثنين 25 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً
  • بورميون من طائفة الروهينغا المسلمة في مخيم للجوء في بنغلاديش المجاورة – (أرشيفية)

تيلور لوك - (كرستيان سينس مونيتور) 13/9/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

يظهر العالم العربي المبتلى بالصراعات الداخلية يُري الروهينجيا مستوى من الوحدة والدعم يُحفظ عادة للفلسطينيين. أحد الأسباب: لم تتم فلترة التغطية الإعلامية للأزمة بعدسات منحازة أو طائفية.
*   *   *
عمان، الأردن- تنهال رسائل "واتساب" و"فيسبوك" بالعربية في كل دقيقة: "أنا مسلم وأتضامن مع إخواني المسلمين في بورما"؛ و"بورما قضيتي"؛ و"الدعاء من أجل الروهينغا".
في الأثناء، يتم تداول صور مخيفة للأطفال المقتولين والقرى المحترقة، مع دعوات إلى "ممارسة الضغط على الأمم المتحدة والحكومة. وتتم مشاركة الهاشتاغ العربي "الروهينغا يبادون بصمت" بعشرات الآلاف.
وفي مواعظ صلاة الجمعة في عموم العالم العربي، أصبح دعاء "ندعو من أجل المسلمين في فلسطين وسورية والعراق واليمن -وبورما" شائعاً. ويوم الجمعة قبل الماضي، كانت محنة الروهينغا هي العنوان الرئيسي للخطب.
باختصار، أسر العنف الذي تمارسه الدولة في ميانمار (بورما)، والذي أسفر عن مقتل أكثر من 1.000 شخص وتهجير نحو 370.000 من المسلمين الروهينغا إلى بنغلاديش المجاورة انتباه العالم العربي، مولداً دفقاً قل نظيره للدعم والتضامن والنشاط.
في الأردن وحده، تم تنظيم احتجاجين مؤخراً في غضون خمسة أيام، بما فيهما واحد أمام المقر الرئيسي للأمم المتحدة في عمان؛ وآخر في مدينة معان الصحراوية الجنوبية التي تبعد 250 ميلاً عن العاصمة الأردنية. ويوم الاثنين الماضي، تظاهر عشرات من المسلمين الفلسطينيين أمام سفارة ميانمار في تل أبيب.
يبقى أن تكشف الأيام ما إذا كان بإمكان مثل هذه الأنشطة أن تدفع الحكومات إلى الانخراط في نزاع ليس لها مصلحة مباشرة فيه. لكن اتساع نطاق الدعم للروهينجا لا يصدق في حد ذاته. إنه زخم عاطفي كان يُحفظ في الغالب لمحنة الفلسطينيين الذين كان تشريدهم ومحاولتهم إقامة دولة لعقود واحدة من القضايا القليلة التي تنطوي على القوة لتوحيد العالم العربي والإسلامي.
مع ذلك، وفي منطقة لا تفتقر إلى صراعاتها العنيفة الخاصة ولأزماتها الإنسانية، ثمة تساؤل عن الدافع وراء صعود مأزق مسلمي الروهينغا ليتصدر الواجهة. وثمة عامل تقني كبير في ذلك: التغطية الإعلامية العربية والدولية الواسعة للمجازر في حق الروهينغا.
يقول عبد الخالق عبد الله، المحلل السياسي الإماراتي وأستاذ العلوم السياسية: "كلما عرفنا أكثر عن أعمال العنف التي ترتكب أظهرنا المزيد من التعاطف. إننا نغرق كل يوم بطوفان من التقارير. وقد أصبح الجميع يركزون الآن على هذه الأزمة، ومن الطبيعي أن يتعاطف الناس معهم -من المسلمين وغير المسلمين".
تجاوزت الفعاليات والأنشطة وتدفق الدعم لمسلمي ميانمار حتى تلك ما ظهر منها مع اليمن والعراق والعنف المتواصل في سورية.
قضية لكل المسلمين
يقول محللون إن ميانمار أخذت الأولوية على النزاعات الإقليمية عند العرب لسبب. وقد صور الإعلام والأنظمة العربية الصراعات في اليمن وسورية والعراق من خلال عدسة سياسية وطائفية، بينما تم اختزال الصراعات والأزمات الإنسانية ذات الصلة في مكوناتها السنية في مقابل الشيعية؛ والإسلامية في مقابل العلمانية؛ والسعودية في مقابل القطرية. وقد ترك ذلك العرب مقسومين وفي بعض الأحيان غير عارفين بالعنف الذي يستعر على عتبات بيوتهم.
ولكن لم يتم صبغ قضية الروهينغا بالانقسامات الطائفية أو السياسية التي تحل بالمنطقة، مما جعل منها قضية تسمو على الحواجز التي يمكن أن يحتشد خلفها كل العرب -وكل المسلمين.
يقول عريب الرنتاوي من مركز القدس للدراسات السياسية ومقره عمان، إنه "بسبب الانقسامات الطائفية والإعلام المتأثر بالحكومة، تم غسل عقول الجماهير بهذه الروايات عن المنطقة، وهو ما لا يجري تطبيقه على الروهينغا".
مع معاناة العرب سلسلة من النزاعات وازمات اللجوء في العقود الماضية، فإن صور الروهينغا وهم يسيرون في الوحل ويحملون ممتلكاتهم على ظهورهم تبدو أموراً مألوفة تماماً. وينطبق هذا بشكل خاص على الفلسطينيين والأردنيين، الذين كانوا الأكثر نشاطاً فيما يتعلق بالاحتجاجات على وسائل التواصل الاجتماعية.
ويقول السيد الرنتاوي: "يعرف الفلسطينيون أكثر من أي شعب آخر معنى الحياة في المخيمات ومعنى التهجير من الأراضي -ويمكن قول الشيء نفسه عن الأردنيين والآخرين الذين شاهدوا ذلك. إن لديهم ذاكرة تاريخية جادة عن الاقتلاع والتطهير العرقي، والتي يتم استحضارها لدى مشاهدة هذه الأزمة".
الحكومات "مقصرة"
يقول مراقبون وباحثون إنه بينما اتجهت الجماهير العربية إلى النشاط بسبب أزمة ميانمار، فإن رد فعل الحكومات العربية "مقصر" في أفضل الحالات. وقد استغرق الأمر أياماً -وفي بعض الحالات أكثر من أسبوع- حتى تدين حكومات عربية الأعمال العدوانية التي ترتكب ضد الروهينغا. ولم تصدر أي دعوات إلى عقد جلسة طارئة لجامعة الدول العربية أو منظمة التعاون الإسلامي، التي تعتبر أكبر هيئة إسلامية في العالم. كما يبقى الضغط الدبلوماسي محدوداً.
تاريخياً، كانت السعودية هي الدولة العربية الوحيدة التي تدعم الروهينغا صراحة. وخلال حملات سابقة على الروهينغا، فتحت السعودية أبوابها لحوالي ربع مليون مسلم بورمي. وفي العام 2012، مدد العاهل السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز تصاريح الإقامة للشتات البورمي في داخل السعودية، مقدماً لهم التعليم المجاني والرعاية الصحية والتوظيف. لكن المملكة تلمح حتى كتابة هذه السطور إلى أنها ستستوعب الروهينغا الذين يهربون من العنف الراهن.
من جهتهم ينتقد كتاب أعمدة بارزون -بعض من أبرز صناع الرأي في الإعلام العربي والنقاشات العامة- الحكومات العربية لفشلها في لعب دور أكبر لوضع حد لإراقة الدماء. وكان مما أثار غضب المواطنين العرب هو تقديم أموال عربية استجابة لنداء إغاثة ضحايا إعصار هارفي في تكساس، بينما لم تقدم مبالغ قليلة للروهينجا بالمقارنة.
بطاقات أخرى يمكن لعبها
نزولاً عند دعوات جماهيرها الغضبى، بدأت الدول العربية خلال الأسبوع الماضي بإرسال مساعدات عاجلة إلى لاجئني الروهينغا. وقدمت دولة الإمارات العربية المتحدة إمدادات طارئة تتكون من 1.700 خيمة لتوفير مأوى للعائلات الهاربة في بنغلاديش المجاورة، كجزء من استجابتها، بينما أرسلت جمعية الهلال الأحمر القطري فريقاً لإقامة عيادات متنقلة وقدمت خزانات مياه. وقدمت العربية السعودية أموالاً للإغاثة الطارئة.
لكن لدى الدول العربية الخليجية، خاصة السعودية وقطر، أوراقاً إضافية يمكن لعبها، كما يقول مراقبون. وكانت السعودية قد استثمرت الملايين في البنية التحتية لنفط ميانمار، وهي متجهة الآن إلى استخدام خط أنابيب نفطي يمر من البلد ليمد الصين، أكبر داعم لميانمار، بأكثر من 10 في المائة من إمداداتها النفطية. كما قدمت قطر دعماً للبنية التحتية في ميانمار.
من الممكن أن يسهل وقوف دول الخليجـ مع القوى الرئيسية مثل الصين والولايات المتحدة -بالإضافة إلى جارتي ميانمار باكستان وبنغلاديش- الدبلوماسية المكثفة لوقف العنف وتحسين ظروف اللاجئين، وفقاً لما يقوله محللون وناشطون.
ويقول مواطنون وناشطون إنه يجب على الدول الخليجية -باعتبارها الدول الإسلامية الأكثر ثراء ونفوذاً في العالم ببساطة- أن تستخدم نفوذها لوقف إراقة الدماء. ويقول المحلل السياسي الإماراتي السيد عبد الله: "يجب على البلدان العربية أن تكون في الواجهة... أن تنظم حملات الضغط في الأمم المتحدة والعواصم العالمية". وخلص إلى القول: "وكلنا أمل في أن نشهد هذا التحرك وهو ينمو ليتلقى استجابة دولية".

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
Why plight of Rohingya Muslims has suddenly captivated the Arab world?

التعليق