سائد كراجة

العلمانية بما هي وهمٌ

تم نشره في الأربعاء 27 أيلول / سبتمبر 2017. 12:02 صباحاً

لا تحتاج الدولة للدين، ليس لأنها كافرة أو معادية للدين، بل لأنها نظام قانوني للحكم. وهي مفهوم تطور عبر التاريخ؛ فقد بدأت دينية حيث تَهبُ الآلهة السلطة للحاكم -مباشرة أو عبر رسل-، فتكون طاعته من طاعة الآلهة نفسها، وغالباً ما تماهى شخص الحاكم بالآلهة وأمسى ظل الآلهة على الأرض، وقد كان هذا الشكل من الدولة مصدراً لاضطهاد واستبداد الشعوب والأفراد.
تطور مفهوم الدولة هذا لتصبح سلطة الحاكم مستمدة من إرادة المحكومين أنفسهم وذلك بموجب عقد يحمي حقوق وحريات الشعب ويحدد صلاحيات الحاكم، وسمي هذا العقد الدستور. وبتأثير من نضال الشعوب وحركة التحرر التي نهضت بها البشرية، خصوصا حركة التنوير منذ القرن السادس عشر توافقت البشرية على قواعد عليا للدساتير الحديثة، قوامها أن يقوم الدستور على الفصل بين السلطات وأن يكرس الحريات الفردية والجماعية للمواطنين، حيث الشعب مصدر للسلطات، وبهذا صارت مشاركة الشعب في الحكم حقاً دستورياً وليست منة من حاكم، وهو ما نسميه اليوم الدولة الديمُقراطية.
الدول العربية تشكلت في بداية القرن التاسع عشر، وبغض النظر عن طريقة استقلالها والعوامل التي ساهمت به، فقد تضمنت دساتيرها الأسس الحديثة للحكم كما أشرنا إليها أعلاه، ولكن تلك الدول عملت عبر مبررات مقاومة المستعمر أو الصراع العربي الصهيوني إلى تعطيل تلك الدساتير، وعطلت مشاركة الشعب بالحكم، كما دخلت تلك الدول في حالة الاستقطاب الدولي بين الشرق والغرب في علاقات تبعية سياسية واقتصادية، ولكل هذا تراجعت الحريات وفشلت مشاريع التنمية في الدول العربية كافة وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة، وأكثر من ذلك فإن حالة انهيار مؤسسات الدولة العربية شجعت حالة من التدين الفردي للقائمين على إدارة تلك المؤسسات وباتوا يحكمون بهذا التدين بدلاً من القانون.
العلمانية طرحت في أوروبا في مقابل حكم الكنيسة الذي لم يكن حكماً عادلاً ولا تنويرياً ولا حتى روحانياً، فقد اعتمدت في ممارساتها الخرافة فباعت صكوك الغفران وحاربت العلم والعلماء، وهذا لم يحصل في العالم العربي حيث قامت العلمانية عندنا في مواجهة المد الديني، خصوصا بعد الثورة الإيرانية، وكان هذا المد في أغلبه خارج السلطة وخارج الدولة، إذاً فالعلمانية بالمعنى الغربي؛ وهو فصل الدين عن الدولة، هي علاج غريب لداء مستورد.
نعم، فإن فشل الدول العربية لم يكن بسبب استغلال الدين في السياسة ذلك أن معظم الأنظمة العربية بدأت قومية يسارية وقطعاً لم تكن دينية، ولكن فشل تلك الأنظمة ديمقراطياً وتنموياً جعل من الحل الديني بصيغة أبو الأعلى المودودي وبصيغته الوهابية أو الشيعية الإمامية أملا للناس المتعبة، حتى صار التطرف الديني باسم دعوى الحاكمية لله واقعاً معاشاً رغم أن الله جل وعلا قال في كتابه "وأمرهم شورى بينهم".
ولكن لو نجحت الدولة العربية الدستورية، فإن للذين يعتقدون بحاكمية الدين أن يناضلوا سياسياً من أجل ذلك عبر أحزاب سياسية شرعية ولهم إن تحققت الأغلبية أن يأتوا بالقوانين التي مصدرها دينهم أوعقيدتهم بشرط أن لا تنقلب على الدستور أو تهدر حقوق وحريات المواطنين كما نص عليها الدستور، كما "للعلمانيين" أن يأتوا بالقوانين من مصادرها التي يرغبون إن اجتمعت لهم الأغلبية البرلمانية وهذا هو التعريف العملي للدولة المدنية.
لذلك فالعلمانية إن كان لنا أن ننادي بها فهي تكريس سلطة العقل بتفعيل دستور الدولة المدنية، حيث يكون للشعب أن يتدين أو أن لا يتدين، ولأغلبيته في البرلمان ان تجعل مصادر القوانين الشريعة أو غيرها، كل ذلك في ظل الدستور وضمن أحكامه، وبهذا يكون المواطن الفاعل حجر الرحى في رسم صورة الدولة على الواقع، فتقوم الحكومات التي تشكلها الشعوب عبر الأغلبية البرلمانية بتحقيق مشروع التنمية المستدامة بما يضمن الاستقلال السياسي والاقتصادي.
الدولة المدنية العلمانية الديمقراطية بهذا المعنى؛ هي الإطار القانوني السياسي الذي يستوعب تعدد العقائد والاجتهادات في ظل حكم الدستور وحماية الأقليات وتكريس الحريات الفردية والجماعية، وبهذا المعنى الاتفاقي ينتهي الجدل حول العلمانية ويعمل الجميع لتكريس الدولة المدنية العلمانية الديمقراطية.

التعليق