الأردن وملف المساعدات

تم نشره في الجمعة 29 أيلول / سبتمبر 2017. 12:07 صباحاً

في الاردن يتطلع الجميع إلى اليوم الذي تتخلص فيه البلاد من مديونيتها الباهظة، وتنجح فيه الحكومات في إعداد موازنات بلا عجز ويتوقف المواطنون والساسة عن التخمين حول ما اذا كانت الدول المانحة ستفي بالالتزامات التي اعتادت على تقديمها أو أنها ستتوقف لأسباب سياسية او اقتصادية او شخصية.
خلال السنوات الماضية تغيرت الكثير من سياسات الداعمين والمانحين وفقد البعض حماسهم التاريخي لدعم الاردن لعوامل يتعلق بعضها بالتحول الاستراتيجي في العلاقات بين دول الاقليم ويرتبط بعضها الآخر بانتفاء الاسباب والمسوغات التي كانت تبرر الدعم. فلم يعد انتشار الشيوعية خطرا يخشاه الغرب، كما بات مفهوم الصمود والمواجهة من الادبيات التي عفا عليها الزمن بعد توقيع ما يسمى بدول المواجهة على اتفاقيات السلام مع اسرائيل وفتح الكثير من الدول لكرودورات خلفية للتعامل مع من كان يدعى بعدو الامة والمحتل لأراضيها السالب لحقوقها.
 تطلعات الاردنيين وآمالهم في تحقيق الاستقلالية المالية ومساعدة الذات جاءت واضحة هذه المرة في الخطاب السياسي الجديد للدولة الأردنية وعلى لسان جلالة الملك خلال المقابلة التي أجرتها معه خلال الأيام القليلة الماضية وكالة الانباء الاردنية. في الحديث الموسع الذي تناول القضايا المحلية والاقليمية والعالمية عبر الملك عن اهمية تحول الاردن الى وضع الاعتماد على الذات وألمح الى ضرورة التوقف عن النظر الى المساعدات الخارجية لحل مشكلاتنا المالية "فلا أحد يساعدنا إن لم نعمل على مساعدة أنفسنا".
ووسط انشغالات الناس في بلورة مواقفها حيال مشروع قانون الضريبة الجديد هناك الكثير من المضامين التي تحتاج الى التوقف والتحليل والمتابعة. فعلى مدار العقود التسعة الماضية ومنذ تشكل الإمارة مرورا بتكوين الدولة 1946 وحتى اليوم والاردن يتلقى الإعانة والمساعدات والدعم تارة لاسباب جيوسياسية واخرى تقديرا للأدوار التي قام ويقوم بها الأردن في المنطقة والأقليم والعالم.
 اعتماد الموازنة على المساعدات والدعم الخارجي كان مهما في ربط الاردن بالمشهد العالمي وإكساب مؤسساته القدرة على التكيف والاستجابة للكثير من المتطلبات والشروط التي يضعها الداعمون والمتبرعون. وفي العديد من الحالات أسهم اعتمادنا على ما يقدمه بعض الجيران والاصدقاء الى المبالغة من قبلنا في مراعاة رغبات وتوجهات الاصدقاء والداعمين حتى وان كان ذلك على حساب اجتهاداتنا.
 الاستقلالية النسبية في مواقف الاردن من القضايا الاقليمية ومحاولته الالتزام بالمبادئ والمعايير الاخلاقية واسس السياسة الخارجية الاردنية التي تحرص على تجسيد مبدأ عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى والتحلي بقدر من الحيادية في الصراعات الاهلية التي تفجرت في دول الجوار، أزعجت البعض وأثرت على العلاقات البينية على الصعيدين العربي والدولي.
في الكلمة الشاملة التي ألقاها سمو ولي العهد في الأمم المتحدة عبّر الأردن عن عتبه الشديد على العالم الذي ترك الاردن وحيدا يواجه المسؤوليات والاعباء الانسانية والاقتصادية التي ترتبت على صراعات وأزمات المنطقة. فبالرغم من محدودية الموارد وعجز الموازنة وارتفاع معدلات البطالة وشح المياه استطاع الاردن ان يستقبل ما يزيد على ربع اللاجئين السوريين، في حين شكل 10 % من مجموع ما استقبله الاردن ازمة سياسية لعدد كبير من دول الاتحاد الاوروبي.
استجابات العالم للأزمة الاقتصادية التي عانى ويعاني منها الاردن اقتصرت على الثناء والإشادة دون الالتفات الى حاجات ومتطلبات الموازنة وآثار المعاناة الاقتصادية على اوضاع البلد واستقراره ومستوى الرفاه والسعادة لمواطنيه وضيوفه.
 التحول الجوهري في السياسة الأردنية من دولة تعتمد على المساعدات والدعم الخارجي الى دولة تطمح الى الاعتماد على الذات، هدف يحتاج الى الكثير من الارادة السياسية والتأييد الشعبي والبرامج الوطنية الجادة. الأردنيون كانوا وما يزالون يحلمون بمثل هذا التحول لكن ذلك يحتاج الى تحول حقيقي في نمط الإنفاق وهيكلة المؤسسات وبناء كوادر قادرة على الإدارة والعمل ووقف استقدام العمالة الخارجية ومحاسبة جادة للفاسدين قبل التوجه إلى فرض مزيد من الضرائب والرسوم التي قد لا يتقبلها المواطن دون حدوث التغيرات الضرورية في أنماط الإنفاق وسياسات الاستخدام وآليات تطبيق القانون.

التعليق