موفق ملكاوي

"الإلحاد الاستعراضي".. والتهافت

تم نشره في الجمعة 29 أيلول / سبتمبر 2017. 12:05 صباحاً

قبل أكثر من ربع قرن، كانت الأسئلة الوجودية تأخذ منحى فكريا فلسفيا ناتجا عن الشعور بالقلق والضعف الإنساني الطبيعي تجاه الإبهام الكلي الذي نعيشه.
وفي الوقت الذي قدمت فيه الديانات أجوبة مريحة عن نواحٍ عديدة معينة لسيرورة الإنسان من الحياة إلى ما بعدها، وعن الخلود، ومهمة الإنسان الأساسية في الأرض، وحددت الشريعة ومقاصدها، ما منح طمأنينة كبيرة لمعظم البشرية، إلا أن الجانب الميتافيزيقي ظل على الدوام مثار بحث فلسفي عميق، اشتبك فيه بجدل مثير المؤمنون وغير المؤمنين. وكان المشتبكون بالجدل والحوارات يمثلون النخبة الفكرية من الطرفين، كل يحاول الدفاع عن وجهة نظره، ما أدى إلى أن يكون الصراع فكريا راقيا، وأعطى الساحة الثقافية والفلسفية دفعة كبيرة إلى الأمام.
لكن الأمر اختلف خلال السنوات الأخيرة الماضية، فالظواهر الكثيرة لـ"الملحدين العرب" والتي طغت على المشهد، نقلت السياق من جوانبه الفكرية إلى أبعاد "استعراضية" أشّرت بوضوح على هشاشة فكرية لم تستطع أن تقدم اشتباكا فكريا نابعا من أسئلة حقيقية تثير القلق، بل لجأت إلى "تكرارات" ساذجة يقول بها العوام منذ مئات السنوات.
والأمر، في زمن مواقع التواصل الاجتماعي والإفلاس الفكري والمعرفي، يتعدى، كذلك، هذه الهشاشة الفجّة، نحو التخلي عن الجوانب الأخلاقية في الجدل، فعشرات الصفحات الفردية والمجموعات تظهر كما لو أن مهمتها الأساسية هي أن تقوم بحشد الأقلام لتوجيه الشتائم إلى الرسل والأنبياء والشخصيات الدينية، وهي شتائم قبيحة لا يجوز تداولها تحت أي مسمّى، فما بالك بمن يطرحون أنفسهم "نخبة" في مجتمعاتهم.
عربيا وإسلاميا، نفهم، مثلا، أن الخطاب الإسلامي المعاصر وتجلياته العنيفة ساهم بشكل كبير في تكوين ردود أفعال ضدية، كما نفهم أن سلوك تنظيمات إرهابية ومتطرفة مثل "داعش" و"القاعدة" و"جبهة النصرة"، وما تفرع عنها من تنظيمات كثيرة ساهم في استقطاب مريدين، كما ساهم أكثر في التنفير من هذا السلوك الإجرامي الذي تبدّى على شكل جرائم بشعة تم ارتكابها في الشرق والغرب، ما قد يؤدي إلى طرح مسائل الإيمان والكفر على شكل مراهقة فكرية، وليس من منطلقات القلق الوجودي.
مسائل الشك وعدم اليقين غالبا ما تظهر لدى كثير من الأفراد، وهي مسائل شخصية في المقام الأول، فالإلحاد ظل على الدوام تعبيرا عن الرغبة في المعرفة والتيقن، والعجز البشري عن إجابة أسئلة تتعلق بالحياة والموت والوجود والموجِد، بعضهم حسمها بالتشبث بالعلم وواقعيته، وآخرون لجأوا إلى طمأنينة الإيمان وما يشتمل عليه من عدالة مؤجلة لا بد أن يخضع لها الجميع.
لكن الوصول إلى الحقيقة لن يكون أبدا بفتح عشرات الصفحات المخصصة للشتائم وعدم احترام وجدان الأكثرية بالتناول السوقي للشخصيات الدينية.
العلم يحترمه الجميع، والدفوعات الفكرية، مهما تكون قاسية أو صادمة، تثري الحياة الثقافية والاجتماعية ويمكن الوصول إلى حالة من التقبل لمعتنقيها، ولكننا سنكون عاجزين تماما عن تقبل السوقيين والجهلة والشتامين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقاله رائعه (صفاء جهامه)

    الجمعة 29 أيلول / سبتمبر 2017.
    مقاله رائعه و مهمه , لكن علينا أن نسأل ما هو سبب أنتشار هذه الظاهرة الفكريه ؟ و هل مجتمعاتنا تستطيع تقبل حواريات حول الألوهية؟ هل لدينا الايمان الواعي و المنطقي لمواجهه الملحدون الجدد ؟ هل لدينا كتربويين الادوات الفكريه لنقاش أصحاب هذا الفكر الممسوخ ؟ أم هو كالعاده الجواب بالعصى ثم العصى