دروس من تجربة سنغافورة في الرعاية الصحية (3-3)

تم نشره في السبت 30 أيلول / سبتمبر 2017. 12:05 صباحاً

تنبه المسؤولون عن الرعاية الصحية في سنغافورة مبكرا الى أهمية ضمان الاستدامة لأي نظام صحي، ولن تكون هذه الاستدامة في متناول اليد ما لم تتم السيطرة على الكلفة المالية المرتفعة للرعاية الصحية وذلك من خلال معادلة دقيقة تضبط العرض والطلب بحيث لا يطغى أحدهما على الاخر وان لا تكون هذه المعادلة على حساب الجودة.
ولإدراكهم للدور المركزي الذي يمكن أن يلعبه المواطن في الحد من تضخم كلفة الرعاية كان التوجه بأن يقوم كل مواطن بإدارة الرعاية الخاصة به من خلال صناديق إدخار إلزامية، يتم تغذيتها من خلال اقتطاعات شهرية يتحملها العامل وصاحب العمل، تتغير بتباين الدخل والعمر، بحيث يكون لكل مواطن صندوقه الخاص ضمن صناديق عامة ضخمة تديرها لجان مركزية تخضع لقوانين صارمة تمكن المواطن من أن ينفق على رعايته الصحية ضمن هذه القواعد.
حددت الدولة الحد الأدنى من الرعاية الصحية الاساسية التي ستقوم بتمويلها مقابل رسوم رمزية، بينما يقوم المواطن بالإنفاق من صندوقه الخاص على الخدمات الاضافية، كما قامت بوضع سقوف عليا ودنيا لهذه الصناديق المعفاة من الضريبة.
كما سمحت أن يتم الإنفاق من هذه الصناديق على الأقرباء من الدرجة الأولى وتوريثها بعد الوفاة.
وقامت الدولة بإقرار صندوقين إضافيين؛ أحدهما لتغطية الأمراض الكارثية التي تتطلب مبالغ كبيرة وصندوق آخر كشبكة أمان للأفراد الأقل حظا، حيث تقوم الدولة سنويا بضخ مبالغ متفاوتة في هذه الصناديق حسب الأداء المالي للدولة، كما عمدت الى تقسيم درجات الإقامة في المستشفيات الى خمس درجات حيث تقوم بتغطية نسبة كبيرة من كلفة الدرجات الدنيا وتقل نسبة التغطية كلما انتقلنا الى الدرجة الاعلى حيث لا تتكفل بأي أعباء عن الدرجة الأولى.
ولم تكتف الحكومة بهذه الإجراءات بل تنبهت الى الزيادة المطّردة في أعداد المعمرين في الدولة فبدأت مبكرا في إنشاء صندوق لرعاية هذه الفئة التي تشكل العبء الأكبر على القطاع الصحي وذلك لتفشي الأمراض غير السارية بينها بصورة كبيرة أسمته "الصندوق الفضي".
وعلى الطرف الآخر قامت بتشجيع زيادة نسبة المواليد الجدد من خلال حوافز مالية ومزايا صحية وذلك لتجنب الوقوع في مصيدة "المجتمعات المعمرة".
ولم تغلق الحكومة الباب أمام شركات التأمين الخاصة للراغبين في خدمات إضافية لا توفرها الصناديق الحكومية، فأتاحت الفرصة للراغبين في الاستفادة من المزايا الاضافية التي لا توفرها الصناديق العامة بشراء بوالص تأمين خاصة تكون مكملة لما توفره الصناديق العامة.
هذه هي الملامح الرئيسية لتجربة سنغافورة في الرعاية الصحية حاولتُ أن ألخصها في ثلاث مقالات، ملامحها الرئيسية الاهتمام بالجودة وشمول الرعاية، وتحمّل المواطن مسؤولية اتخاذ القرار في تحديد أولويات الإنفاق على رعايته الصحية، وتجنب تقديم خدمات مجانية والاستثمار في الكوادر البشرية والترويج لمجتمع صحي خال من الأمراض، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، والتنافس على أساس السوق المفتوح الذي تتدخل الحكومة لضبطه عند الضرورة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اعاده نظر (خليل زقلام)

    السبت 30 أيلول / سبتمبر 2017.
    نحن للاسف الشديد نعتبر الصحه والتعليم والزراعه والصناعه وزارات غير حيويه وغير سياديه عكس الدول المتقدمه الاخرى