د.باسم الطويسي

رداءة الحياة: كل شيء بنصف دينار

تم نشره في السبت 30 أيلول / سبتمبر 2017. 11:08 مـساءً

في السنوات الأخيرة أخذت الاخبار المحلية السيئة أنماطا متشابهة؛ من أخبار حوادث التسمم والغش والتلوث وتراجع نوعية الخدمات العامة مرورا بأخبار الجريمة والانتحار وصولا إلى القضاء على أكثر من ربع الثروة الحرجية. قبل سنوات انتشرت ظاهرة في المدن الأردنية لمحلات تجارية تبيع كل شيء تحت عنوان " كل شيء بدينار"، لم تتراجع تلك الظاهرة التي طالما نظر إليها البعض بسخرية بل انتشرت ظاهرة محلات جديدة "كل شيء بنصف دينار"، لا يوجد لديّ رقم دقيق حول أعداد المحلات التجارية تدّعي تنقية المياه وباتت تنتشر في كل شارع وحارة،  ولا ندري بالفعل هل ما تقوم به ينقي المياه بالفعل وهل هناك إقرار رسمي بأن مياه الشبكة العامة مشكوك فيها؟ ولكن الذي نعلمه تماما أن الأردن تكاد تكون الدولة الوحيدة في المنطقة التي تنتشر فيها هذه الظاهرة بهذا الحجم.
علينا الاعتراف بأن هناك تحولات تنال بنية الكتلة الحيوية للدولة في عناصر السكان والموارد وإدارة العلاقة بينهما، هذه التحولات ليست وليدة اليوم وليست في مجملها محلية، بل فيها الكثير من غبار الإقليم ورماده، وفي ضوء هذا نقرأ مصادر التهديد الجديدة التي تهدد نوعية الحياة في الأردن، والمصادر الأخرى التي يتم إعادة إنتاجها بفعل الظروف الجديدة؛ نحن ننتقل من الطموح الى تطوير جودة الحياة الى معالجة معضلة كبرى تتنامى اليوم عنوانها رداءة الحياة.
في الوقت الذي يخصَّص فيه ربع موازنة الدولة للاجئين فإن الآثار العميقة للزيادة القسرية للسكان تضرب عميقا في نوعية الحياة، ما زاد بشكل واضح من الضغط على الموارد المحدودة التي لم تشهد نموا حقيقيا يواكب حتى الزيادة الطبيعية المفترضة.
  في الوقت الذي تزدحم فيه خطاباتنا المحلية بالحديث عن ثقافة الجودة وسُبل ترسيخها في التعليم والخدمات والصحة والبنى التحتية وغير ذلك، تزداد المؤشرات الكيفية الدالة على تراجع جودة الحياة بشكل عام، أليس الهدف المركزي لسياسات التنمية والتغيير هو نوعية الحياة؟ أي حياة معافاة طويلة كريمة من دون مصادر تهديد يومية ترفع سقف التوقعات السلبية بالتعرض لها لدى قواعد عريضة من المجتمع.
 زيادة الضغط على الموارد بالتزامن مع ارتفاع كلف الحياة بسبب توالي حدة ارتفاع أسعار السلع الأساسية، تنقل الفئات العريضة من المجتمع الى نمط من الاقتصاد السلعي القائم على سد الحاجات اليومية الأساسية من أردأ الأنواع، وتكتفي الأسر بالبحث عن سد حاجاتها اليومية بالكفاف من سلع وخدمات كانت في السابق ترفضها الأسواق، لأن معيار القدرات الشرائية عادة ما يحدد خصائص أجندة بضائع التجار، في هذا الوقت أخذت مظاهر جديدة تتعمق في سلوك السوق أهمها افتقاد المناعة فيما يعرض للناس من سلع وخدمات تفتقد أبسط معايير الجودة، ما دام هناك من يقبل عليها تحت وطأة جنون الأسعار وزيادة الطلب.
 يعمل ضغط الموارد مع انخفاض مستوى كفاءة إدارة المتاح منها على المزيد من تضاؤل هذه الموارد التي تعاني في الأصل من الندرة، وبالنتيجة فإن المتاح أمام الأسر والأفراد من الطبقات العريضة يصبح محدوداً، وبالنتيجة تلجأ هذه الطبقات إلى الرضا بالرديء من السلع والخدمات، بل وتبحث عنه، وفي هذه الظروف تنتعش قطاعات للرداءة أحياناً تمارس نشاطها بانتهازية مكشوفة، وأحياناً نتواطأ جميعاً في خلق ثقافة تتستر وتحجب ما يحدث حولها.
في خط مواز مع هذه التحولات يزداد الضغط والاستهلاك الجائر للنظم البيئية المحلية بأبعادها المختلفة، نتيجة الاستهلاك الجائر للبنى التحتية وسوء إدارتها وتحميلها فوق طاقتها، وللأسف فإن إمكانية رسم سيناريوهات لاحتمالات مسار التدهور في النظم البيئية المحلية يعد من أعقد الأمور، في الخلاصة فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في جوهر الانفتاح الاقتصادي وإن وجدت بعض ملامحه في الظروف القسرية والزيادة غير الطبيعية في السكان، بينما تكمن البؤرة المركزية في إنتاج رداءة الحياة في ضعف كفاءة إدارة الموارد قبل أي شيء آخر.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »خداع (انور محمد الضمور)

    الأحد 1 تشرين الأول / أكتوبر 2017.
    تذكرت انه في عقد الخمسينات والستينات من القرن الماضي كانت بعض المحال التجاريه وعلى العربات المتجوله وخاصه في مدن الزرقاء وعمان واريد كان يكتب كل شيء بقرش ونصف اي من الابر وشفرات حلاقه وبطاريات راديو وغيره من السلع ولاكن كانت جيده ولا باس بها هي مجرد ذكريات جميله وطريفه وزمن ذهب ولن يعود شكرا د باسم
  • »رداءة الحياة كل شيئ بنصف دينار؟؟ (يوسف صافي)

    الأحد 1 تشرين الأول / أكتوبر 2017.
    دعني اخالفك الراي عنونه استاذ باسم "رداءة السلوكيات كل وراء مصالحه دون ضوابط؟؟؟؟ويبقى الناظم في ظل انعدام الثوابت التي غابت في ظل تغول ثقافة الغير ومخرجات الحداثة والعولمه دون موائمتها ومانحن عليه (حيث اجمع علماء الإجتماع "ان الحضارة عندما تسبق الثقافه واوتغايرها محصلتّه الإنحطاط ) هو القانون وتوازنه مع المتغيرات ؟؟ ؟؟ وعلى سبيل المثال لا الحصر كيف لنا ضبط السلوكيات والإداء والعلاقات التبادليه بيعا وشراء في ظل التجارة الحرّه والأسواق المفتوحه وقوانينها التي أجازت حرية التسعير واضعفت الرقابه الحكوميه ؟؟؟ومابالك في جديدهم الإقتصاد المجتمعي التشاركي مابين الخاص والعام الذي ما زال دون قانون ناظم ؟؟ يصعب على الجهه الرقابيه العوده لقانون القطاع العام كما في السابق وكذلك تمسك التاجر بالقانون الجديد "حرية التسعير" وما دور وزارة الإقتصاد والتجاره سوى المطالبه بوضع لائحة الأسعار (التي اختصرها التاجر بنصف دينار؟؟؟)؟؟؟وان هناك من ارتفاع غير مبرر واومنافسه غير شريفه لايوجد قانون يكبح جماحه ؟؟؟وان بادرت الجهة الرقابيه للحل لاشيء بيدها سوى التراضي وان ضجّت الناس تفزع الحكومه ؟؟؟ وحتى لانطيل يبقى مصدر التشريع كناظم للمكون المجتمعي بكافة مكنوناته مصدره الأعراف والقيم والثقافه كروافع متطوره سلبا وايجابا وثابتها العقيده ؟؟ من هنا يتطلب صياغة قانون متوازن بما نحن عليه بعيدا عن "مايجب ان يكون في روما يجب ان يكون في معان الأبيه"؟؟ ان الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابانفسهم "
  • »تغيير انماط الاستهلاك (بسمة الهندي)

    الأحد 1 تشرين الأول / أكتوبر 2017.
    أظن، أستاذ الطويسي، أنه سبق وأن تطرقت إلى الموضوع في مقال أو أكثر لك، وبالتأكيد أنه موضوع في غاية الأهمية وأحد نتائج السياسات الاقتصادية الرسمية.
    تغيير أنماط الاستهلاك عند المواطن/المستهلك، وتقليل التكلفة cost cutting عند التاجر حتى يستطيع تصريف بضاعته/خدمته.
    لعل انتقال كثير من الطلبة من المدارس الخاصة إلى الحكومية هذه السنة، وارباك التعليم الحكومي، أحد أهم الأمثلة على تغيير انماط الاستهلاك. والمثال الآخر هو تدفئة المنزل في الشتاء حيث توقف الكثيرون عن استخدام تدفئة السولار واستبدالها بصوبة الغاز أو الكاز، وهذه لها تأثير سلبي على الصحة وحتى على دراسة الأبناء والحياة الاجتماعية داخل المنزل - جرة الغاز نفسها وسخة ومصدية وتسبب أمراض باللمس. الأمثلة كثيرة، ولكن سأضيف مثال في غاية الأهمية وهو أنه مؤخرا هناك الكثير من العمارات وسكانها بدأوا يستغنوا عن الحارس مما أثر على النظافة داخل العمارات وفي محيطها وزاد من احتمال السرقات. مأساة !