عزوف المتسربين يعطل مركزا للتأهيل افتتحته "التربية" لمعالجة المشكلة

السياحة ترفع نسبة التسرب المدرسي في لواء البترا

تم نشره في الأحد 1 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:00 صباحاً
  • فتى من منطقة البترا ينتظر تأجير ناقته للسياح-(تصوير: محمد أبو غوش)
  • انفوجراف لتوزيع المدارس الاكثر تسربا للطلبة في لواء البترا (الغد)
  • انفوجراف يظهر تصاعد منحنى التسرب للطلبة في منطقة ام صيحون بالبترا للفترة 2011 - 2017 (الغد)

زينب الفقير*

عمان- "أريد تعلم القراءة والكتابة فقط" هذا ما قاله فهد (18 عاما)، الطالب في مركز تعزيز الثقافة للمتسربين الذكور في لواء البترا، والذي لم يدخل إلى المدرسة مطلقا.     
فهد أحد الطلبة المتوقع تخرجهم من المركز بعد أن شارف على إنهاء دراسته فيه، والآن وبعد أن تعلم القراءة والكتابة فهذا بنظره يعتبر كافيا، ولا يطمح أن يُكمل مسار التدريب المهني، وهي الفرصة التي يُتيحها المركز للخريجين، لأنه سيبقى في عمله في الحفريات في البترا.
تُشير الأرقام الصادرة عن مديرية التربية والتعليم في لواء البترا إلى ارتفاع أعداد الطلبة المتسربين في مدارس منطقة أم صيحون، لتُعد من ضمن المناطق التي تشهد تسربا مرتفعا على مستوى المملكة، وتصل خلال الفترة الواقعة بين 2011-2017؛ إلى 193 متسربا ومتسربة.
تعمل وزارة التربية مع جهات ذات علاقة للحد من التسرب وعمالة الأطفال في لواء البترا، لكن تلك الجهود لم تقلّل من نسب التسرب التي باتت تشهدها المنطقة على نطاق واسع.
يعتبر التعليم الأساسي مجانيا وإلزاميا وحقا من حقوق الطفل، فالمادة 28 من اتفاقية حقوق الطفل والمادة 13 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية تُعدان من الضمانات الدولية للحق في التعليم الإبتدائي وإلزاميته وإتاحته مجانا للجميع. تكمن الفجوة في قانون التربية والتعليم رقم 3 لسنة 1994 في أن المادة 10/أ التي تنص على أن " التعليم أساسي ألزامي ومجاني في المدارس الحكومية"، حيث لا توجد ضمانات رادعة لتفعيل نص المادة والتي تترتب على ولي أمر الطالب في حال تسرب أبنائهم من المدرسة.
مركز لشمول المتسربين
يعُد برنامج تعزيز الثقافة للمتسربين الذي تنفذه وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع منظمة "كويست سكوب" للتنمية الإجتماعية في الشرق الأوسط، أحد الحلول للحد من تسرب الطلبة في المناطق التي تشهد تسربا مرتفعا، حيث يُقدم البرنامج فرصة لهذه الفئة للالتحاق بالمدرسة إذا كان عمر الطالب يسمح، وذلك عبر خطة البرنامج، أو تأهيله للتدريب المهني وصقل مهاراته المعرفية اللازمة خلال سنتين من مدة الدراسة في البرنامج.
أفتتح مركز المتسربين العام 2013 وفيه يتم تدريب المعلمين والمعلمات كميسرين، كما يُطلق عليهم البرنامج، ويعملون على تهيئة ظروف البيئة التعليمية المناسبة لتشجيع المتسربين للالتحاق بالمركز.
يقول رئيس قسم التعليم العام في مديرية تربية لواء البترا، يوسف خليفات وهو ضابط أرتباط للمركز، أنه نتيجة لارتفاع عدد المتسربين في منطقة أم صيحون مقارنة بما حولها، فقد جاءت الأولوية لإنشاء المركز في هذه المنطقة للحد من التسرب.
إلا أن واقع الحال غير مبشر، فمنذ إفتتاح المركز منذ 2013 وتوفير الاحتياجات للمتسربين لجذبهم إلى المركز وتعريفهم به من خلال لقاءات تُعقد من قبل ممثلين من التربية ومنظمة "كويست سكوب" ونشطاء من المجتمع المحلي مع أهالي المنطقة؛ فإن 72 % من المتسربين والمتسربات لم يلتحقوا بالمركز منذ 2013 حتى اللحظة.
المدرّس عبدالله الصياحين، يعمل في المركز ومهمته أن يلتقي بالمتسربين وذويّهم لتُوعيتهم وتعريفهم بأهمية المركز، يقول أن العائق الكبير الذي يواجه عملية حشد المتسربين لدخول المركز هو ان "أغلبهم يعملون في البترا، بالتالي فكرة عودتهم للدراسة في المركز بعد العمل الذي ينتهي عند أغلبهم مساء ليست مُشجعة لهم، وحتى البعض ممن يلتزم في المركز في البداية يتقاعسّ فيما بعد عن الاستمرار في الالتزام".
يُضيف الصياحين أن هذه الفئة من المتسربين والتي تعمل في القطاع السياحي "تُشكل مصدر دخل لذويهم الذين يفتقرون للوعي بأهمية التعليم لأطفالهم، وبالتالي التأثير على الأهل يكون صعبا، ما يجعل أغلبهم لا يتجاوبون معنا لإعادة أبنائهم للدراسة، على الرغم من المرونة التي يقدمها المركز للمتسربين مراعاة لظروف عملهم في اوقات الدوام والتي تتناسب معهم".
الصياحين وغيره ممن يُساعدون في تشجيع وتحفيز المتسربين لأكمال تعليمهم لا يتوقف دورهم عند إعادة المتسربين للمركز بل في القدرة على جعلهم يستمرون في الدراسة في ظل الظروف المحيطة بهم.
منذ 2013 وحتى الآن لم يتخرج أحد من مركز تعزيز الثقافة للمتسربين، بينما يتوقع حاليا ان يتخرج ستة طلاب وطالبتان فقط. يوضح خليفات السبب وراء تدني الخريجين على الرغم من مرور أربع سنوات على افتتاح المركز، وهو أن من متطلبات التخرج ان يُنهي الطالب فترة الدراسة في المركز، وتستمر لمدة سنتين على شكل ثلاث حلقات كل حلقة تستمر مدتها ثمانية أشهر، إلا أن عدم إلتزام الطلبة بالحضور لفترات طويلة وعودتهم ثانية يُعيدهم ذلك إلى نفس الحلقة، التي تغيبوا عنها وبالتالي تتجاوز فترة تواجدهم في المركز أكثر من سنتين نتيجة لذلك.
دينا هويمل ( 17 عاما) تركت المدرسة في الصف الثامن، تدرس في المركز منذ تموز (يوليو) الماضي، تعيد سبب تركها للمدرسة الى عدم راحتها في المدرسة، ولأسلوب التدريس "عندما قررت ترك المدرسة لم يشجعني أحد على البقاء أو يتفهم قراري سواء المديرة أو المُدرسات".
كان دخولها إلى المركز بتشجيع من شقيقتها، التي هي أيضا كانت دخلته قبلها، تقول بأن ما أعجبها في المركز يختلف عما أعتادت عليه في المدرسة، "أسلوب التدريس والبيئة التي توفرت لي ساعدتني على فهم أشياء كثيرة ما كنت فهمتها بالمدرسة". تعتزم دينا إكمال دراستها بعد تخرجها من المركز.
تتحدث المعلمة وفاء الموسى، الميسرة في المركز، عن تجربتها في العمل مع فئة المتسربين منذ إنشائه حتى اللحظة، تقول: "نوفر بيئة جاذبة للطالبات وهي السياسة التي ينتهجها المركز مع هذه الفئة من خلال أنشطة لا منهجية والتعامل بمرونة معهن". تضيف الموسى بان غالبية الطالبات تركن المدرسة بسبب أسلوب التدريس وبالتالي فإن الأسلوب الذي تتبعه معهن مختلف تماما عما اعتدن عليه في المدرسة وذلك لجذب إنتباههن وترغيبهن بالدراسة.
يؤكد أيضا الأستاذ إسماعيل الحسنات العامل في مركز المتسربين الذكور على ما قالته المعلمة الموسى، ويقول أن استخدام أسلوب التعلم التشاركي هو الأسلوب الأكثر فاعلية في التعامل مع فئة المتسربين، من خلال التفاعل الاجتماعي بين المعلمين والطلبة وإستخدام اللعب والمسرحيات وتنظيم رحلات للإبتعاد عن التلقين أو الروتين في الدراسة.
الذكور الأعلى تسرباً
تشير أرقام وزارة التربية والتعليم إلى أن نسبة تسرب الذكور من المدرسة في ام صيحون خلال السنوات الماضية وصلت إلى 60 %، وهذا كان سببا في إنشاء مدرسة للثقافة العسكرية في العام  2015 بديلا للمدرسة التابعة لوزارة التربية، كأحد الحلول المقترحة من قبل وجهاء المنطقة لضبط الطلاب والتقليل من التسرب.
إلا أن ما أظهرته الأرقام يشير الى إرتفاع كبير في تسرب الطلاب بنسبة 54 % عن السنوات السابقة، بعد أن تحولت إلى مدرسة عسكرية، وهو ما برره مدير المدرسة فؤاد الخليفات، بأن الطلبة لم يعتادوا بعد على الإلتزام بالدوام الدراسي، فقد كانوا في السابق يخرجون قبل إنتهاء أوقات الدوام، كما أن الأسلوب الذي تنتهجه المدرسة العسكرية في ضبط الطلاب وعدم إخراجهم من المدرسة إلا وقت إنتهاء الدوام جعل الحل لدى بعض الطلاب ان لا يحضر للمدرسة من الأساس.
هذا الاسلوب دفع كثيرا من الطلاب خلال السنتين الماضيتين إلى التسرب من المدرسة، ليصل عدد المتسربين فيها إلى 52 طالبا ليشكل الرقم الأعلى مقارنة بالسنوات الماضية.
خصوصية سياحية جاذبة للتسرب
"الدخل المادي المرتفع في فترات أوج السياحة تشجع الطلبة على هجرة مقاعد الدراسة"، كما يقول رئيس قسم التعليم غير النظامي في وزارة التربية والتعليم عبدالله الناصر، ويٌضيف بأن ما تتميز به المنطقة من خصوصية لقُربها الجغرافي من موقع البترا الاثري، يشكل دافعا كبيرا لتوجه الطلاب للعمل في القطاع السياحي.
يؤكد أيضا الباحث والأستاذ في جامعة الحسين بن طلال، موسى النوافلة، أن هذا العمل يؤمن مصدر دخل سريعا لهم ولا يحتاج للكثير من المجهود، إلى جانب أن التسرب لدى الأطفال العاملين في البترا يزداد في ظل ارتفاع نسب الأمية بين آباء وأمهات الأطفال العاملين، كما أظهرته دراسة أجراها الدكتور النوافلة مع الدكتورة مرام فريحات العام 2014.
وفق الدراسة فإن حجم عمالة الأطفال في قطاع السياحة في البترا في تزايد مستمر، ويرتبط بعلاقة طردية مع نمو الحركة السياحية مما يشكل مصدرا لإعاقة التنمية السياحية في المنطقة.
بشر عطالله (16 عاما) ترك المدرسة منذ سنتين تقريبا للعمل في البترا، التي وجد فيها كما يقول، مكانا جاذبا للعمل ولأنه أيضا يُلقي اللوم على المدرسة وأسلوبها في التدريس غير المُشجع، ويعاود بشر الآن الدراسة في مركز المتسربين منذ سنة تقريبا إلى جانب عمله في البترا.
محمد سعد (24 عاما) ترك المدرسة في الصف الثامن بسبب "أسلوب التدريس"، وعمل في البترا على الرغم من رغبته في التعلم، الذي أكمله بعد إلتحاقه في مركز تعزيز الثقافة للمتسربين. يتحدث محمد عن شقيقه أيضا الذي ترك المدرسة في الصف العاشر، وهو لا يجيد القراءة والكتابة منذ سنة للعمل أيضاً في البترا، وهو الآن أيضا يدرس في المركز مع شقيقه محمد الذي سيتخرج قريبا.
يعلق الناصر على إزدياد أعداد المتسربين في ظل وجود المركز إلى أن "البرنامج غير إلزامي للطلبة المتسربين لكن في نفس الوقت نحاول جذبهم للالتحاق بالمركز من خلال فتح المركز في الأوقات التي تناسب أوضاعهم، إضافة إلى أن مدة الدراسة خلال اليوم لا تتجاوز الثلاث ساعات، بالإضافة إلى أن الاسلوب المُتبع في التدريس من تقديم الانشطة اللامنهيجة وتفعيل الحوار والمشاركة يُشجع الطلبة على استمرارهم في الدراسة في المركز".
حلول للحد من التسرب
كشف تقرير مشترك لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" ووزارة التربية وجود 90 ألف طفل "لا يتلقون أيا من أشكال التعليم في الأردن"، وفق دراسة حول التسرب المدرسي أجراها المركز الوطني لحقوق الإنسان العام 2016.
الدراسة التي حملت عنوان "التسرب المدرسي من منظور حقوق الإنسان"، خرجت بجُملة من التوصيات والحلول للحد من التسرب، أبرزها إيجاد ضمانات وآليات قانونية لتفعيل مبدأ ألزامية التعليم ومجانيته من خلال نص قانوني يتضمن وضع عقوبات على الوصي الذي لا يقوم بإرسال أطفاله الى المدارس وأجبارهم على ترك المدرسة، وسن تشريعات إضافية لحماية الطفل العامل في القطاع غير المنظم. وتفعيل برامج الأرشاد التربوي للطلبة وأسرهم وزيادة المسؤولية المجتمعية بإشراك مؤسسات المجتمع المدني في مكافحة عمالة الأطفال.
تضيف دراسة أعدتها جامعة الحسين بن طلال بالتعاون مع سلطة أقليم البترا بعنوان "ام صيحون والجماعات السكانية في حدود محمية البترا الاثرية " العام 2014 أن حلول الحد من التسرب وعمالة الأطفال في البترا تكمن في "منح مراقبين في المحمية الأثرية صلاحيات أوسع في متابعة الأطفال ومنعهم من العمل في البترا، وإلى تطبيق عقوبات على اصحاب المصالح في الموقع الذين يشغلون أطفالا".

*بدعم من منظمة "صحفيون من أجل حقوق الإنسان"JHR الكندية.

التعليق