سم في الدورة الدموية

تم نشره في الأحد 1 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً

هآرتس

عوزي بنزيمان

ليس اقل من 35 صفحة، كرستها صحيفة "ذي ماركر ويك" في عددها عشية رأس السنة للواقع الموهوم (فيك نيوز)، التي تم تفويت معظمها. كتابها والمحللون المجتهدون فيها عرضوا كل جوانب ظاهرة الواقع الموهوم،  في الشبكة، في وسائل الاعلام التقليدية، في السياسة، في الاقتصاد وفي الدعاية وغير ذلك – ولكن بسبب كثرة الاشجار لم يروا الغابة.
حتى المقال الدقيق لروتم شتركمان، الذي واجه بنيامين نتنياهو مع أكاذيبه، تجاهل لب العملية ونتائجها العامة: الواقع نشأ من اقوال النظام الفارغة، وتم نقلها في السنتين الاخيرتين إلى اقسام الاختلاق. هذا ليس واقع موهوم بل مختلق. الخدعة الإسرائيلية (الغمز والتحايل وتدوير الزوايا) استبدلت بحالة شاملة من الكذب. الدورة الدموية للواقع الجماهيري تم تسميمها بأكاذيب لا تتوقف – والإسرائيليون لا يشعرون بهذا ويرون الصيغة المختلقة هذه وكأنها الواقع نفسه.
في اليوم الذي صدر فيه عدد العيد من صحيفة "ذي ماركر"، نشر في "هآرتس" مضمون خطاب نتنياهو في الجمعية العمومية للأمم المتحدة. نتنياهو روى لمستمعيه في القاعة، وبالأساس في إسرائيل، اسطورة عن الثورة العظيمة التي تحدث لموقف دولته لدى الأمم، عن اسهامها الكبير للانسانية، عن انجازاتها المبهرة في التطورات التكنولوجية والتجديدات الاقتصادية، عن هبتها الجريئة لمساعدة الدول والشعوب الواقعة في ضائقة.
هذه قصة مختلقة: نتنياهو يتمسك بعدد معين من الانجازات، معظمها شخصي، التي نمت في المجتمع الإسرائيلي، من اجل أن يعرض رؤيا مضللة. إسرائيل ليست بطلة لا مثيل لها، بل هي دولة صغيرة وهشة (انظروا إلى رد المدنيين على الهجمات الصاروخية، اختطاف الجنود وتهديد الانفاق)، صحيح أن فيها جزر من التميز يحق التفاخر بها، لكن في نفس الوقت هناك اجزاء لا بأس بها من تصرفاتها الحكومية ومزاجها القومي، مخجلة وتذكر بنماذج تصرفات دول من العالم الثالث. الصورة التي يرسم فيها نتنياهو صورة الدولة، يغسل دماغ مواطنيها ويغطي على قدرتهم على التفريق بين الهذيان والواقع. قبل يوم رفعت الوزيرة ميري ريغيف خطابا مصورا على صفحتها في الفيس بوك، ردت فيه على احتفال توزيع جوائز اوفير الذي لم تتم دعوتها اليه. الواقع الذي صورته هو عكس الحقيقة: على فرع السينما في إسرائيل تسيطر مجموعة نخبوية ومتنفذة، تحدد من سيرتفع ومن سيهبط. هذه المجموعة تستغل مكانتها من اجل اسكات اصوات اخرى ومن اجل نشر افتراءات على إسرائيل في العالم. أيضا اذا كان هناك شيء في اقوال الوزيرة – مصالح المجموعات ليست غريبة على عالم الفن – فإن الوصف الذي وصفته يناسب بدرجة مدهشة تصرفها: هي التي تستغل بصورة سيئة مكانتها من اجل اسكات فنانين واستخدام انتاجهم في صالح رؤيتها الايديولوجية ومصالحها السياسية.  اضافة إلى ذلك، أعادت ريغيف في المقابلة المصطلح المنتشر الذي يقول إن الجيش الإسرائيلي هو "الجيش الأكثر اخلاقية في العالم". هذا كلام فارغ. كذلك في سلاح الجو ألغوا في اللحظة الاخيرة عمليات قصف من اجل الامتناع عن المس بالمدنيين، واعتبارات انسانية يتم اخذها في الحسبان اثناء التخطيط للعمليات العسكرية – واقع الاحتلال يناقض التباهي الذي يتضمنه هذا الشعار. ويشهد على ذلك ليس فقط الاحداث الكثيرة التي تم فيها كشف جنود الجيش الإسرائيلي وهم يعاملون بقسوة ويعذبون الفلسطينيين، بما في ذلك قتل الابرياء، بل نفس القرار السياسي لزيادة وفرض حكمها على الفلسطينيين. هذا يخلق واقع مستمر تتسبب فيه إسرائيل وجنودها بالظلم للشعب المحتل. أيضا من يعتقد أن الامر ضروري في الظروف الحالية – يعاني من قمع شديد عندما يستوعب التصنيف الذي ينسب للجيش الإسرائيلي تصرف اخلاقي لا مثيل له.
أيضا رؤساء مجلس "ييشع" للمستوطنات نشروا الاكاذيب عشية العيد. اثناء مواجهة كلامية شديدة مع الوزير أفيغدور ليبرمان قال شلومو نئمان، رئيس المجلس الاقليمي غوش عصيون: "إن اعتبار طلائعيي المستوطنات "خارجين عن القانون" هو بالتحديد فشل. التعريف المصطنع للبؤر الاستيطانية أنها غير قانونية هو الفشل المتواصل للدولة. ان رؤية المستوطنين لأنفسهم بأنهم طلائعيون والبؤر قانونية هي عرض لا قيمة له. أيضا اذا كان واحد من المستوطنين في المناطق انسان ممتاز ذي قيمة – فإن المشروع الصهيوني كله هو كارثة وطنية، يعرض للخطر قدرة إسرائيل نفسها على البقاء دولة ديمقراطية. الوصف الذاتي المشجع للمستوطنين تم تبنيه من قبل السلطة وتم غرسه في وعي معظم المواطنين. هذا في الوقت الذي فيه مشروع الاستيطان هو العائق الاساسي الذي تضعه إسرائيل امام التوصل إلى اتفاق. وخلافا للصورة الصحيحة التي يستحقها رؤساء المستوطنين على مر الاجيال، نما مشروع الاستيطان واتسع بطرق ملتوية من خلال خداع سلطات الدولة. يوجد لحركة الاستيطان مساهمة اساسية في هذا الواقع الكاذب الذي يلف الدولة.
في كتاب "الوطنيون" لسانا كارسيكوف، تعيد الكاتبة من جديد الاجواء التي سادت في الشارع السوفييتي في عهد ستالين: واقع من الكذب التام، الذي شارك فيه رؤساء الدولة واعضاء المكتب السياسي الحزبيين والمواطنين العاديين، الذين أمروا بالخضوع للاوامر، لأن يكونوا على قدر الآمال وأن ينفذوا المهمات التي القيت على عاتقهم. ولأن الواقع الفعلي ناقض الصيغة المعلن عنها، فقد تكيف الجميع مع ثقافة الكذب، التي ولدت حالات كبيرة من الفشل ومناورات تغطية، متلازمة العنصر الصغير، ووصلت أيضا إلى عمليات إرهابية، رشوة وعنف شديد. كارسيكوف وضعت في فم احد الابطال الاقتباس التالي من أفكار الفيلسوف الاجتماعي اريك هوفر: "كل حركات الجماهير النشيطة تسعى إلى أن تحجب بستارة مانعة للحقائق بين المؤمنين وبين الواقع كما هو". هذا التفريق يستحق تعلمه.

التعليق